دروس تمهيدية في تفسير آيات الأحكام - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٨٧٧ - سورة النور(٢٤) آية ٣١
طالبا منه التوبة و العودة إلى اللّه سبحانه و لا يضرّه ما سبق، إذ غاية ما في الأمر ان تكون التوبة السابقة في حكم العدم لا ان نداء التوبة من جديد يفقد وجوده.
و قد جاء في الحديث الصحيح لمحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام:
«يا محمد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة و المغفرة، أما و اللّه انها ليست إلّا لأهل الإيمان. قلت: فان عاد بعد التوبة و الاستغفار من الذنوب و عاد في التوبة فقال: يا محمد بن مسلم أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه و يستغفر منه و يتوب ثم لا يقبل اللّه توبته؟! قلت:
فان فعل ذلك مرارا، يذنب ثم يتوب و يستغفر اللّه، فقال: كلّما عاد المؤمن بالاستغفار و التوبة عاد اللّه عليه بالمغفرة و ان اللّه غفور رحيم يقبل التوبة و يعفو عن السيئات فإياك ان تقنّط المؤمنين من رحمة اللّه»[١].
٦- و من نعم اللّه على عباده التي لا تعدّ و لا تحصى ان جعل التوبة خيرا لهم من الاعتراف بالذنب، فعلى المؤمن إذا سوّل له الشيطان و ارتكب ذنبا ان لا يبوح به للآخرين، و هو محرّم، لانه نحو من إشاعة الفاحشة، حيث يوجب ذلك التخفيف من درجة قبحها في أنظار الآخرين، و من ثمّ يوجب ضعف الرادع عن ارتكابها، و قد قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ[٢].
و على هذا ينبغي للمؤمن ان لا يعترف بذنوبه إلّا للّه سبحانه و يتوب إليه منها و يفرّ منه إليه.
و قد جاء في الحديث ان شخصا في عهد أمير المؤمنين عليه السّلام اعترف على نفسه بالزنا أربع مرات فقال لقنبر: احتفظ به ثم غضب و قال: «ما أقبح بالرجل
[١] الكافي ٢: ٤٣٤.
[٢] النور: ١٩.