دروس تمهيدية في تفسير آيات الأحكام - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ١٠٠٧ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٧٨ الى ١٧٩
٢- ما لا يمكن تطبيقه من دون افتراض وجود قوّة عليا تشرف على ذلك، و هذا كما في الجهاد و القضاء و الحدود و غير ذلك.
فمثلا في مورد خوف الشقاق بين الزوجين وجّهت الآية الكريمة تكليفا و قالت: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها ...، و الخطاب لمن موجّه؟
انه موجّه إلى الحكام، و من البعيد ان يكون موجّها لغيرهم، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في كتاب النكاح تحت عنوان «من أحكام النشوز»، و من الواضح ان وجود حكّام يقومون بذلك يستدعي وجود سلطة عليا تشرف على ذلك.
و إقامة الحدود- كحدّ السرقة و الزنا و القذف و المحاربة و القصاص- يستدعي مثل ذلك أيضا.
و لا يحتمل ان مثل هذه الأحكام محكوم عليها بالتعطيل في زمان الغيبة، و هل يحتمل ان المفسد يبقى يعيث في الأرض فسادا بلا مواجهة؟ و هل يحتمل ان السارق و غيره يبقى كذلك؟
و أوضح من ذلك الجهاد و القضاء في الحاجة إلى فرض وجود سلطة عليا، فانه لا يمكن تطبيقهما العملي من دون فرض وجود حكومة و رئيس يتولى أمورها.
و بعد فرض ضرورة تشكيل الحكومة تلبية لحاجة الأحكام المتقدمة يتعيّن ان يكون المتولّي أو على الأقل المشرف عليها هو الفقيه العادل إمّا لانه القدر المتيقّن في مورد الشك و الترديد أو لان إدارة الحكومة بشكلها الشرعي الصحيح لا يمكن ان يتصدّى لها غيره.
ثم ان هذا البيان و ان كان لا يثبت الولاية للفقيه إلّا في الحدود المذكورة دون ما زاد عليها- كما إذا أريد افتتاح شارع يتوقّف على هدم بعض البيوت- إلّا انه يثبتها في الجملة، و هو كاف في إثبات المطلوب، و هو دلالة الآيات الكريمة على ثبوت الولاية للفقيه في الجملة.