بحوث و مقالات - كاشف الغطاء، عباس - الصفحة ٤٢٢ - البدعة مفهومها وحدودها
والأعراف المتباينة لدى الناس فإنّ الأجهزة في الكتابة كجهاز الحاسوب مثلا أو غيره من أجهزة الكتابة بعد أن كان يستخدم الدواة والقلم لا يعد بدعة بمفهومها الشرعي.
وقد حاول البعض توسيع معنى البدعة إلى مدى أوسع ليشمل كل أمر حادث لم يكن وقع في زمن الرسول (ص) حتى وإن كان بنحو من الأنحاء يهدف إلى خدمة الدين وأهدافه المقدسة فقد دفع التحجر بعض هؤلاء ممن قصروا عن فهم الدين والسنة الشريفة إلى الاعتقاد بأن كل أمر لابد أن يأتي فيه نص الخاص الذي يشير إليه بشكل صريح وإن كل ما لم يرد بشأنه دليل خاص فإنّه يندرج في قائمة الابتداع وكأنّ الشريعة الإسلامية عقيمة جامدة لا تملك الضوابط العامة والقوانين الكلية التي يمكن تطبيقها على الموضوعات والحوادث المستجدة.
وقد قسم البعض البدعة إلى حسنة وسيئة وذلك لخلطهم بين البدعة بمعناها اللغوي والتي معناها إحداث شيء ليس على مثال سابق ومعناها الاصطلاحي الشرعي فإنّ البدعة بالمعنى اللغوي مثل الاحتفال بيوم الاستقلال أو الاحتفال التأبيني لتكريم بطل من الأبطال فإنّ هذا حلال بالذات لا مانع منه إذا لم يرد فيه نهي من الشارع المقدس أما شأن البدعة في المصطلح الشرعي فهي محرمة مطلقا تأبى التقسيم فإنّ اقتصار النصوص الشرعية في ذكر البدعة على الذم والانتقاد الشديد يبطل مقولة البدعة الحسنة كما أنّ الحديث المتفق عليه (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة بالنار) شمول جميع أنواع البدع وقد أوضح الشهيد الأول في قواعده على أن البدعة لا تطلق إلا على ما هو محرم بقوله: (محدثات الأمور بعد النبي (ص) تقسم أقساماً لا تطلق اسم البدعة عندنا إلا على ما هو محرم منها).
وهنالك عدة أسباب في نشوء البدع منها توهم المبالغة في التعبد لله تعالى وذلك بأن يعتزل النساء أو يصوم الدهر كله أو لا يكلم أحد ويعتزل الناس أو لا يستظل من الشمس وغيرها ظانا بإجهاد نفسه إنما يتقرب إلى الله تعالى أكثر من غيره.
وقد شجب القرآن الكريم في أماكن متعددة ظاهرة الرهبنة وتحميل النفس المشاق والصعوبات ورد على هذا المنهج المنحرف في الحياة الاجتماعية: [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ].
ومن أسباب نشوء البدع اتباع الهوى فقد خطب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فقال: (أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن: أهواء تتبع وأحكام تبتدع يخالف فيها كتاب الله).
نسأل الله تعالى بجاه من لذنا بجواره مولى الثقلين مولانا أمير المؤمنين (ع) أن ينجينا عن البدع والفتن ويحرسنا عن زيغ الهوى وطول الأمل.