بحوث و مقالات - كاشف الغطاء، عباس - الصفحة ٢٩٤ - العولمة جولة استكبارية جديدة
الطائفة الثانية: دول الصمود وهي التي تتحدى هذه الجولة الاستكبارية الجديدة، وتجد في نفسها القدرة الذاتية على الوقوف والثبات لتحقيق عوامل البناء الذاتي والاستقلال والتطور الاقتصادي على المدى البعيد رغم التضحيات الآنية التي قد تقدمها جراء موقفها هذا ومثالها العراق العظيم الذي يمثل النموذج الفريد والقدوة المثلى لهذه الطائفة.
إن إباء الأمم والشعوب الرسالية الواعية، ورفضها لخطط العولمة الاستكبارية بما تملك من ثقافة أصيلة وثروات اقتصادية كبيرة وقدرة على اتخاذ القرار السياسي المستقل لا يعني بالضرورة انعزالها عن العالم، بل إنها عندما ترسم نهجها الاقتصادي مثلا يجب أن تراقب حركتها الاقتصادية في مستوى وطبيعة علاقته بالاقتصاد العالمي، وأن تضع لنفسها خطوطا حمراء لا تتجاوزها فتسقط أمام القدرات الاقتصادية الاستكبارية، وكما يصدق هذا في المجال الاقتصادي يصدق أيضا في المجالين الثقافي والسياسي.
وإذا عرفت أن خير أمة أخرجت للناس من بين الأمم وأعظمها أصالة فكرية وسياسية هي الأمة الإسلامية [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ][١]، فسنجدها المصداق البارز بل المنفرد للأمة الممتنعة عن الاستكبار وجولاته المتوالية، فبأفضليتها الرسالية وأصالتها الفكرية والسياسية وما تملكه من مواقع جغرافية وثروات اقتصادية كبرى ستحقق الامتناع الذاتي والصمود أمام أية جولة استكبارية مهما كانت مقتدرة ومتطورة. بل إن الشمولية والواقعية والتكامل الفريد الذي تتمتاز به أطروحتها الإسلامية للحياة ستظهرها عل كل الأطروحات الوضعية المتداولة في عالم اليوم لتناغمها مع طموحات البشرية وآمالها في إزهاق الباطل وإزالة الفساد والظلم وإحقاق الحق وإقامة العدل في الأرض [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
[١] سورة آل عمران/ ١١.