بحوث و مقالات - كاشف الغطاء، عباس - الصفحة ٢٥٠ - رابعا دليل العقل
فالعقل حاكم بان اتفاق جماعة من العلماء الأخيار المتبحرين يوجب الاطمئنان الذي هو بمنزلة العلم بحصول مستند معتبر لديهم[١].
٢- ان الاجتهاد الجماعي على فتوى واحدة تكون أقرب للواقع ما لو كان الاجتهاد فردي، فإن اتفاق جميع الفقهاء أو أغلبيتهم تكون فتواهم أقرب للواقع من فتوى الفقيه منفرداً، إذ من قول فقيه واحد يحصل الظن ولو بأدنى مراتبه بالواقع، ومن فتوى الفقيه الثاني يتقوى ذلك الظن ويتأكد، ومن فتوى الفقيه الثالث يحصل الاطمئنان، ويضعف احتمال مخالفة الواقع، وهكذا إلى أن يحصل القطع بالواقع كما هو الحال في الخبر المتواتر، فإنه يحصل الظن بأخبار شخص واحد ويتقوى ذلك الظن باخبار شخصٍ ثانٍ وثالث وهكذا إلى أن يحصل القطع بالمخبر به[٢]. فان حجية الاجتهاد الجماعي من القطع بوجود مستند شرعي اعتمده المجتهدون في اتفاقهم على الفتوى الجماعية.
اعتراض:
إن ذلك مسلّم في الاخبار على الحس كما في الخبر المتواتر، لأن احتمال مخالفة الواقع في الخبر الحسي إنما ينشأ من احتمال الخطأ في الحس أو احتمال تعمّد الكذب، وكلا الاحتمالين يضعف بكثرة المخبرين إلى ان يحصل القطع بالمخبر به وينعدم الاحتمالين. وهذا بخلاف الاخبار الحدسي المبني على البرهان كما في المقام، فإن نسبة الخطأ إلى الجميع كنسبته إلى الواحد، إذ احتمال كون البرهان غير مطابق للواقع لا يفرق فيه بين ان يكون الاستناد إليه من شخص واحد أو اكثر، ألا ترى ان اتفاق الفلاسفة على أمر برهاني كامتناع إعادة المعدوم مثلًا لا يوجب القطع به.
٣- إن العادة تحكم بإن اتفاق المرؤوسين على أمر لا ينفك عن رأي الرئيس فإن اتفاق جميع الوزراء وجميع أركان الحكومة على أمر لا ينفك عن
[١] مصادر الحكم الشرعي/ ١/ ١٣٥
[٢] مصباح الاصول/ ٤٧/ ١٦٢.