تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٧٨
الفراء: هي حية بين الصغيرة و الكبيرة، قال الراجز:
يرفعهن بالليل إذا ما أسدفا أعناق جان و هاماً رجفاً[١]
و وصف العصا في هذا الموضع «كَأَنَّها جَانٌّ» و في الشعراء بأنها ثعبان، و هي الحية الكبيرة، لأنها جمعت صفة الجان في اهتزازه و سرعة حركته مع انه ثعبان في عظمه، و لذلك هاله ف «وَلّي مُدبِراً». و قيل انها أول شيء صارت جاناً ثم تدرجت الي ان صارت ثعباناً، و هم يشاهدونها، و ذلک أعظم في الاعجاز.
و قيل: ان الحالين مختلفان، لان الحال الّتي صارت فيها جاناً هي الحال الّتي خاطبه اللّه في أول ما بعثه نبياً، و الحال الّتي صارت ثعباناً هي الحال الّتي لقي فرعون فيها. فلا تنافي بينهما علي حال.
و قوله «وَ لَم يُعَقِّب» معناه و لم يرجع- في قول قتادة- و قال الجبائي معناه لم يرجع علي عقبيه. و المعاقبة ذهاب واحد و مجيء آخر علي وجه المناوبة. و انما وّلي منها موسي بالبشرية، لا انه شك في كونها معجزة له و لا يضره ذلک.
و قوله «يا مُوسي لا تَخَف» نداء من اللّه تعالي لموسي و تسكين منه، و نهي له عن الخوف. و قال له انك مرسل و «لا يَخافُ لَدَيَّ المُرسَلُونَ» لأنهم لا يفعلون قبيحاً، و لا يخلون بواجب، فيخافون عقابه عليه، بل هم منزهون عن جميع ذلک.
و قوله «إِلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسناً بَعدَ سُوءٍ» صورته صورة الاستثناء، و هو منقطع عن الاول و تقديره لكن من ظلم نفسه بفعل القبيح، ثم بدل حسناً بعد سوء، بأن تاب من القبيح، و فعل الحسن، فانه يغفر له. و قال قوم:
[١] تفسير الطبري ١٩/ ٧٦ و روايته:
يرقلن بالليل إذا ما رجفا || أعناق جان و هاماً رجفاً.