تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٥
ثم دعا لوط ربه فقال «رَبِّ نَجِّنِي وَ أَهلِي مِمّا يَعمَلُونَ» أي من عاقبة ما يعملونه، و هو العذاب النازل لهم فأجاب اللّه دعاءه و قال «فَنَجَّيناهُ وَ أَهلَهُ أَجمَعِينَ» يعني من العذاب ألذي وقع بهم. و قد يجوز أن يکون أراد النجاة من نفس عملهم، بأن يفعل لهم من اللطف ما يجتنبون مثل أفعالهم، و تكون النجاة من العذاب النازل بهم تبعاً لذلك. و استثني من جملة أهله الّذين نجاهم «عجوزاً» فانه أهلكها. و قيل: انها كانت امرأة لوط تدل قومه علي أضيافه «فِي الغابِرِينَ» يعني الباقين. فيمن هلك من قوم لوط، لأنه قيل: هلكت هي فيما بعد مع من خرج عن القرية بما أمطر اللّه عليهم من الحجارة. و قيل أهلكوا بالخسف، و قيل بالائتفاك و هو الانقلاب. ثم أمطر علي من کان غائباً منهم عن القرية من السماء حجارة قال الشاعر في الغابر:
فما وني محمّد مذ أن غفر له الاله ما مضي و ما غبر[١]
و قال الشاعر:
لا تكسع الشول باغبارها انك لا تدري من الناتج[٢]
فأغبارها بقية لبنها في اخلافها، و الغابر الباقي في قلة، كالتراب ألذي يذهب بالكنس، و يبقي غباره: غبر يغبر، فهو غابر، و غبر الجص بقيته. و غبر من الغبار تغبيراً، و تغبر تغبراً. و العجوز المرأة الّتي قد أعجزها الكبر عن أمور كثيرة، و مثله الكبيرة و المسنة.
و قوله «ثُمَّ دَمَّرنَا الآخَرِينَ» فالتدمير هو الإهلاك بأهوال الأمور، دمره تدميراً، و مثله تبره تتبيراً، و دمر عليه يدمر دمراً إذا هجم عليه بالمكروه
[١] مر تخريجه في ٦/ ٣٤٤ و ٧/ ١٧٥
[٢] تفسير القرطبي ١٣/ ١٣٣.