تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٠٣
مواضعهم الّتي ينامون عليها فالتجافي تعاطي الارتفاع عن الشيء، و مثله النبو يقال جفا عنه يجفو جفاء إذا نبا عنه. و تجافي عنه يتجافي تجافياً، و استجفاه استجفاء و المضجع موضع الإضجاع، و الاضطجاع هو إلقاء النفس «يَدعُونَ رَبَّهُم» أي داعين ربهم ألذي خلقهم و أوجدهم (خوفاً) من عذابه يسألونه المغفرة (و طمعاً) في ثوابه. و انتصب (خَوفاً، وَ طَمَعاً) علي انه مفعول له أي للخوف و للطمع (وَ مِمّا رَزَقناهُم يُنفِقُونَ) في طاعة اللّه و سبيل ثوابه. و وجه المدح بذلك أن هؤلاء المؤمنين يقطعهم اشتغالهم بالدعاء للّه عن طيب المضطجع لما يأملون به من الخير و البركة من اللّه تعالي، لأن آمالهم مصروفة اليه، و اتكالهم في أمورهم عليه، و قال الشاعر في التجافي:
و صاحبي ذات هباب دمشق و إبن ملاط متجاف ادفق[١]
أي متنح عن كركرتها، و قال أنس و قتادة: انه مدح قوماً كانوا يتنفلون بين المغرب و العشاء. و قال الضحاك: انهم كانوا يذكرون اللّه بالدعاء و التعظيم و قال قتادة: (خوفاً) من عذاب اللّه (و طمعاً) في رحمة اللّه (وَ مِمّا رَزَقناهُم يُنفِقُونَ) في طاعة اللّه. و
قال ابو جعفر، و ابو عبد اللّه عليهما السلام الآية متناولة لمن يقوم الي صلاة الليل عن لذيذ مضجعه وقت السحر
، و به قال معاذ و الحسن و مجاهد، و قال عبد اللّه بن رواحة في صفة النبي صلي اللّه عليه و آله:
يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
ثم قال تعالي (فَلا تَعلَمُ نَفسٌ ما أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ) تحتمل (ما) في قوله (ما أخفي) أن تكون بمعني ألذي و يکون موضعها النصب، و يحتمل أن تكون بمعني (أن) و يکون موضعها الرفع، و تكون الجملة في موضع نصب، و المعني
[١] مجاز القرآن ٢/ ١٣٢.