تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٢
داع اليه.
و (الطرد) ابعاد الشيء علي وجه التنفير، طرده يطرده، و اطرده جعله طريداً، و اطراد في الباب استمر في الذهاب كالطريد، و طارده مطاردة و طراداً.
فقال له قومه عند ذلک (لَئِن لَم تَنتَهِ) و ترجع عما تقوله، و تدعو اليه (يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرجُومِينَ) بالحجارة، و قيل: من المرجومين بالشتم، فالرجم الرمي بالحجارة، و لا يقال للرمي بالقوس رجم، و يسمي المشتوم مرجوماً لأنه يرمي بما يذم به، و الانتهاء بلوغ الحد من غير مجاوزة إلي ما وقع عنه النهي.
و أصل النهاية بلوغ الحد، و النهي الغدير، لانتهاء الماء اليه.
فقال نوح عند ذلک يا رب (إِنَّ قَومِي كَذَّبُونِ) و انما قال ذلک مع أن اللّه تعالي عالم بأنهم كذبوه، لأنه كالعلة فيما جاء بعده، فكأنه قال (فَافتَح بَينِي وَ بَينَهُم فَتحاً) لأنهم كذبوني، إلا انه جاء بصيغة الخبر دون صيغة العلة. و إذا کان علي معني العلة حسن أن يأتي بما يعلمه المتكلم و المخاطب. و معني (فَافتَح بَينِي وَ بَينَهُم فَتحاً) احكم بينناً بالفعل ألذي فيه نجاتنا، و هلاك عدوّنا و عامل کل واحد منا بما يستحقه، يقال للحاكم: الفتاح، لأنه يفتح وجه الأمر بالحكم الفصل، و يتقرر به الأمر علي أداء الحق، فقال اللّه تعالي له مجيباً لدعائه «فَأَنجَيناهُ وَ مَن مَعَهُ» من المؤمنين (في الفلك) يعني السفن، يقال شحنه يشحنه شحناً فهو شاحن إذا ملأه بما يسد خلاءه، و شحن الثغر بالرجال. و منه الشحنة، قال الشاعر، في الفتح بمعني الحكم:
ألا ابلغ بني عصم رسولا فاني عن فتاحكم غني[١]
و الفلك السفن يقع علي الواحد و الجمع. ثم اخبر تعالي انه لما أنجي نوحاً
[١] مر تخريجه في ١/ ٣١٥، ٣٤٥ و ٤/ ٥٠٠.