تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٠٦
في العذاب، قال المبرد: و (أهلك) عطف علي المعني، لأن موضع الكاف الخفض، و لا يجوز العطف علي المضمر المخفوض علي اللفظ، و مثل ذلک قول لبيد:
فان لم تجد من دون عدنان والداً و دون معد فلترعك العواذل[١]
فنصب (و دون) علي الموضع. ثم حكي تعالي أن رسل اللّه لما جاءت (لُوطاً سِيءَ بِهِم) و قيل في معناه قولان:
أحدهما- سيء بالملائكة أي ساء مجيؤهم لما طلبوا منه الضيافة لما يعلم من خبث فعل قومه- في قول قتادة-.
الثاني- سيء بقومه ذرعاً أي ضاق بهم ذرعاً، لما علم من عظم البلاء النازل بهم، فلما رأته الملائكة علي تلك الصفة (قالوا) له (لا تَخَف وَ لا تَحزَن إِنّا مُنَجُّوكَ) اي مخلصوك و مخلصوا (أَهلَكَ إِلَّا امرَأَتَكَ كانَت مِنَ الغابِرِينَ) اي من الباقين في العذاب. و انما قال (من الغابرين) علي جمع المذكر تغليباً للمذكر علي المؤنث إذا اجتمعا. و قيل: كانت من الباقين لأنه طال عمرها، ذكره ابو عبيدة، و قالوا له (إِنّا مُنزِلُونَ عَلي أَهلِ هذِهِ القَريَةِ رِجزاً) اي عذاباً رجزاً (بِما كانُوا يَفسُقُونَ) و يخرجون من طاعة اللّه الي معصيته.
ثم اخبر تعالي فقال (وَ لَقَد تَرَكنا مِنها) يعني من القرية انه بينه، قال قتادة الآية البينة الحجارة الّتي أمطرت عليهم. و قال غيره عفو آثارهم مع ظهور هلاكهم (لِقَومٍ يَعقِلُونَ) ذلک و يبصرونه و يتفكرون فيه و يتعظون به، فيزجرهم ذلک عن الكفر باللّه و اتخاذ شريك معه في العبادة.
[١] الكتاب لسيبويه ١/ ٣٤.