تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٣٨
أي غاية وسعهم و طاقتهم (لَئِن جاءَهُم نَذِيرٌ) أي مخوف من جهة الله يخوفهم من معاصيه (لَيَكُونُنَّ أَهدي) إلي اتباعه و القبول منه (مِن إِحدَي الأُمَمِ) الماضية و أسبق إلي اتباعه (فَلَمّا جاءَهُم نَذِيرٌ) أي محمّد صلي اللّه عليه و آله جاءهم يخوفهم باللّه «ما زادهم» مجيئه «إلا نفوراً» أي ازدادوا عند مجيئه نفوراً عن الحق و هرباً منه لا أن مجيئه زادهم ذلک. ثم بين تعالي انهم ينفرون عند مجيء النبي «استكباراً» أي طلباً للكبر و التجبر علي غيرهم «في الإرض» من أن يقروا بالحق «و مكر السيء» أي و حيلة الأفعال القبيحة و المعاصي لأنهم قصدوا بذلك الفرار من اتباع محمّد و الايمان به، و السيء الشرك- في قول قتادة- و أضيف اليه کما قال «لحق اليقين»[١] و في قراءة عبد اللّه بن مسعود «و مكراً سيئاً» و قد سكن حمزة وحده الهمزة. الباقون جروها بالاضافة. و التسكين لحن عندهم اعني البصريين، لا يجوز ان يقرأ به. و قيل الوجه في تسكين حمزة كثرة الحركات في الكلام، کما قال الشاعر:
إذا اعوججن قلت صاحب قوم
فسكن الباء لكثرة الحركات، و الصحيح الأول، لأن مثل هذا إنما يجوز في ضرورة الشعر، قال ابو علي النحوي: يجوز أن يکون أجراه في الوصل مجري الوقف، و تقدير و مكرراً المكر السيء، فأضيف المصدر إلي صفة المصدر، و تقديره و مكروا المكر السيء بدلالة قوله «وَ لا يَحِيقُ المَكرُ السَّيِّئُ إِلّا بِأَهلِهِ» و معناه لا ينزل بأحد جزاء المكر السيء إلا بمن فعله «فهل ينظرون» أي فهل ينتظرون «إِلّا سُنَّتَ الأَوَّلِينَ» من نزول العقاب بهم و حلول النقمة عليهم جزاء علي كفرهم، فان كانوا ينتظرون ذلک «فلن تجد» يا محمّد و المراد به
[١] سورة ٦٩ الحاقة ٥١.