تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٤١
و قوله «وَ لَمّا تَوَجَّهَ تِلقاءَ مَديَنَ» فالتوجه صرف الوجه الي جهة من الجهات، و يقال: هذا المعني يتوجه الي كذا أي هو كالطالب له بصرف وجهه اليه، و تلقاء الشيء حذاه، و يقال: فعل ذلک من تلقاء نفسه أي من حذا داعي نفسه، و (مدين) لا ينصرف، لأنه اسم بلدة معرفة، قال الشاعر:
رهبان مدين لو رأوك تنزلوا و العصم من شعف العقول الغادر[١]
الشعف أعلي الجبل، و الغادر الكبير. و قال إبن عباس: بين مصر و مدين ثمان ليال، نحو ما بين الكوفة و البصرة.
و قوله «عَسي رَبِّي أَن يَهدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ» حكاية ما قال موسي في توجهه، فانه قال: عسي أن يدلني ربي علي سواء السبيل، و هو وسط الطريق المؤدي الي النجاة، لأن الأخذ يميناً و شمالا بباعد عن طريق الصواب، و يقرب منه لزوم الوسط علي السنن، فهذا هو المسعي في الهداية، و قال الشاعر:
حتي اغيب في سواء الملحد
اي في وسطه، و قال عطاء: عرضت له أربع طرق لم يدر أيها يسلك، فقال ما قال. ثم أخذ طريق مدين حتي ورد علي شعيب، و هو قول عكرمة. ثم حكي تعالي أن موسي «لَمّا وَرَدَ ماءَ مَديَنَ وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً» يعني جماعة «مِنَ النّاسِ يَسقُونَ» بهائمهم و يستسقون الماء من البئر «وَ وَجَدَ مِن دُونِهِمُ» يعني دون النّاس «امرَأَتَينِ تَذُودانِ» أي يحبسان غنمهما و يمنعانها من الورود الي الماء يقال: ذاد شاته و إبله عن الشيء يذودها ذوداً إذا احبسها عنه بمنعها منه، قال سويد بن كراع:
[١] مر تخريجه في ٣/ ٦٠١.