تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٢٨
عليها صباحاً و مساء و ليلا و نهاراً. و في کل وقت. و من كثر مرورهم بمواضع العبرة فلم يعتبر کان ألوم ممن قل ذلک منه.
و قوله (أ فلا تعقلون) معناه أ فلا تتدبرون فتتفكرون في ما نزل بهؤلاء القوم من الكفر و الضلال. و قيل: وجه القصص و تكريرها، كتشويق إلي مثل ما كانوا عليه من مكارم الأخلاق و محاسن الأفعال و صرف النّاس عن مساوي الأخلاق و قبائح الأفعال قال الشاعر:
تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد ابوالا
ثم قال تعالي مخبراً عن يونس عليه السلام انه کان من جملة من أرسله الله الي خلقه و جعله نبياً يدعو الي توحيده و خلع الأنداد دونه.
و قوله (إِذ أَبَقَ إِلَي الفُلكِ المَشحُونِ) معناه حين هرب إلي السفن المملوءة، فالإباق الفرار، فالآبق الفار إلي حيث لا يهتدي اليه طالبه يقال:
أبق العبد يأبق أباقاً فهو آبق إذا فرّ من مولاه. و الآبق و الهارب و الفار واحد. قال الحسن: فر من قومه (إِلَي الفُلكِ المَشحُونِ) أي المحمل الموقر. و قوله (فساهم) قال إبن عباس معناه قارع. و هو قول السديعنکه (فَكانَ مِنَ المُدحَضِينَ) قال مجاهد: يعني من المسهومين، و المساهمة المقارعة، فلما ساهم يونس قومه وقع السهم عليه، فالقي في البحر، فالتقمه الحوت، فكان من المدحضين، قال الحسن کان من المقروعين. و قيل:
معناه فكان من الملقين في البحر، و الدحض الزلق لأنه يسقط عنه المار فيه.
و منه قوله (حُجَّتُهُم داحِضَةٌ)[١] أي ساقطة، و دحض يدحض دحضاً فهو داحض، و أدحضته ادحاضاً، و قيل: کان يونس عليه السلام قد توعدهم بالعذاب
[١] سورة ٤٢ الشوري آية ١٦.