تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٧٨
بعد ان لأنها حروف لا تتصرف في نفسها و لا في معمولها. و قوله «أَفتَري عَلَي اللّهِ كَذِباً» قال قوم: اسقط ألف الاستفهام من (أفتري) لدلالة (أم) عليه.
و قال الرماني: هذا غلط، لأن الف الاستفهام لا تحذف إلا في ضرورة و إنما القراءة بقطع الألف، فألف الاستفهام ثابتة و ألف (افتعل) سقطت، لأنها زائدة، و مثله قوله (بِيَدَيَّ أَستَكبَرتَ)[١] و قوله (أَصطَفَي البَناتِ)[٢] و قوله «سَواءٌ عَلَيهِم أَستَغفَرتَ لَهُم»[٣] و نظائره كثيرة. و لم يفصل بينها بمدة لان الثانية مكسورة ففارق همزة «آللّهُ خَيرٌ أَمّا يُشرِكُونَ»[٤] و لو لم تقطع لكان خبراً بعده استفهام، و المعني إن هؤلاء الكفار الّذين يتعجبون من
قول النبي صلي اللّه عليه و آله إن اللّه يعيد الخلق بعد اماتتهم خلقاً جديداً
، هل كذب علي اللّه متعمداً «أَم بِهِ جِنَّةٌ» يعنون جنوناً فيتكلم بما لا يعلم فقال اللّه تعالي ليس کما يقولون: «بَلِ الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ» أي لا يصدقون بالآخرة و بما فيها من الثواب و العقاب «فِي العَذابِ وَ الضَّلالِ البَعِيدِ» يعني العدول البعيد عن الحق، فلذلك يقولون ما يقولون، بل نبههم علي صحة ما يقول النبي صلي اللّه عليه و آله من الاعادة فقال «أَ فَلَم يَرَوا إِلي ما بَينَ أَيدِيهِم وَ ما خَلفَهُم مِنَ السَّماءِ وَ الأَرضِ» فيفكروا فيه و يعتبروا به و إن اللّه تعالي خلقه و اخترعه و أنه «إِن نَشَأ نَخسِف بِهِمُ الأَرضَ» من تحت أرجلهم «أَو نُسقِط عَلَيهِم كِسَفاً» يعني قطعة من السماء ثم قال «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً» و دلالة «لِكُلِّ عَبدٍ مُنِيبٍ» أي راجع الي اللّه تعالي. و وجه التنبيه بالآية أن ينظروا فيعلموا أن السماء تحيط بهم، و الإرض حاملة لهم، فهم في قبضتنا «إِن نَشَأ نَخسِف بِهِمُ الأَرضَ أَو نُسقِط عَلَيهِم كِسَفاً» أ فما يحذرون
[١] سورة ٣٨ ص آية ٧٥.
[٢] سورة ٣٧ الصافات آية ١٥٣.
[٣] سورة ٦٣ المنافقون آية ٦.
[٤] سورة ٢٧ النمل آية ٥٩.