تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٦٨
و الإنسان جحد ذلک و كفر به. و فائدة هذا العرض إظهار ما يجب من حفظها و عظم المعصية في تضييعها.
و قيل معني «حَمَلَهَا الإِنسانُ» أي خانها، لأن من خان الأمانة فقد حملها و كذلك کل من اثم فقد حمل الإثم، کما قال تعالي «وَ لَيَحمِلُنَّ أَثقالَهُم وَ أَثقالًا مَعَ أَثقالِهِم»[١] و قال البلخي: يجوز ان يکون معني العرض و الاباء ليس هو ما يفهم بظاهر الكلام، بل انما أراد تعالي أن يخبر بعظم شأن الامانة و جلالة قدرها، و فظاعة خيانتها و ترك أدائها، و انه أوجد السموات مع عظمها لا تحملها و إن الإنسان حملها، و ليس الإنسان- هاهنا- واحداً بعينه، و لا هو المطيع المؤمن، بل هو کل من خان الأمانة و لم يرد الحق فيها، و حمل الإنسان الأمانة هو ضمانة القيام بها و أداء الحق فيها، لان ذلک طاعة منه للّه، و اتباع لأمره و اللّه لا يعتب علي طاعته و ما امر به و دعا اليه لكن معني «حملها» انه احتملها ثم خانها و لم يؤد الحق فيها، كأنه حملها فذهب بها و احتمل وزرها، کما يقولون فلان أكل أمانته أي خان فيها، و العرب تقول: سألت الربع، و خاطبت الدار فأجابني بكذا، و قالت كذا، و ربما قالوا: فلم يجب، و امتنعت من الجواب، و ليس هناك سؤال و لا جواب، و إنما هو اخبار عن الحال الّتي تدل عليه، و عبر عنه بذكر السؤال و الجواب، کما قال تعالي «ائتِيا طَوعاً أَو كَرهاً» للسموات و الإرض «قالَتا أَتَينا طائِعِينَ»[٢] و هو تعالي لا يخاطب من لا يفهم و لا يعقل، و قال تعالي (لَقَد جِئتُم شَيئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرنَ مِنهُ وَ تَنشَقُّ الأَرضُ وَ تَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا)[٣] و نحن نعلم ان السموات لم تشعر بما کان من
[١] سورة ٢٩ العنكبوت آية ١٣.
[٢] سورة ٤١ حم السجدة (فصلت) آية ١٢.
[٣] سورة ١٩ مريم آية ٩١- ٩٢.