تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٠٩
و تقديره أو لم يهد لهم إهلاكنا من أهلكناهم من القرون الماضية جزاء علي كفرهم باللّه و ارتكابهم لمعاصيه، و لا يجوز أن يکون فاعل «يهد» «كم» في قوله «كم أهلكنا» لان «كم» لا يعمل فيها ما قبلها إلا حروف الاضافة، لأنها علي تقدير الاستفهام ألذي له صدر الكلام، و أجاز الفراء أن يکون فاعل «يهد» «كم» و لم يجزه البصريون.
و قوله «يَمشُونَ فِي مَساكِنِهِم» اي أهلكناهم بغتة و هم متشاغلين بنفوسهم و يمشون في منازلهم. ثم قال «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ» أي لحججاً واضحات «أَ فَلا يَسمَعُونَ» و معناه أ فلا يتدبرون ما يسمعونه من هذه الآيات، لان من لا يتدبر ما يسمعه، و لا يفكر فيه. فكأنه لم يسمعه. ثم نبههم علي وجه آخر فقال «أَ وَ لَم يَرَوا» و معناه ا و لم يعلموا «أَنّا نَسُوقُ الماءَ إِلَي الأَرضِ الجُرُزِ فَنُخرِجُ بِهِ زَرعاً تَأكُلُ مِنهُ أَنعامُهُم وَ أَنفُسُهُم» فالسوق الحث علي السير، ساقه يسوقه سوقاً، فهو سائق، يقول اللّه تعالي نسوق ماء المطر الي هذه الإرض الجرز، فننبت به ضروباً من النبات ألذي يتغذي به الإنسان و الانعام و غيرهم و الإرض الجرز هي الإرض اليابسة الّتي ليس فيها نبات، انقطع ذلک لانقطاع الأمطار، و هو مشتق من قولهم: سيف جراز أي قطاع، لا يلقي علي شيء إلا قطعه و ناقة جراز، إذا كانت تأكل کل شيء لأنها لا تبقي شيئاً إلا قطعته بفيها و أرض جروز، و هي الّتي لا تبقي علي ظهرها شيئاً إلا أهلكته، كالناقة الجراز و رجل جروز أكول، قال الراجز:
خب جروز إذا جاع بكا [يأكل التمر و لا يلقي النوي][١]
و فيه أربع لغات أرض جرز- بضم الجيم و الراء، و بضم الجيم و اسكان
[١] تفسير القرطبي ١٤/ ١١٠.