تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٠٠
قد وكله بمعني فوض اليه قبض الأرواح. و التوكيل تفويض الأمر الي غيره للقيام به، و كله توكيلًا، و توكل عليه توكلًا، و وكله يوكله وكالة.
و قوله «ثُمَّ إِلي رَبِّكُم تُرجَعُونَ» معناه إنكم الي جزاء اللّه من الثواب و العقاب تردون، و انما جعل الرجوع الي الجزاء رجوعاً اليه تفخيماً للأمر.
و قيل: معناه تردون الي ان لا يملك لكم أحد ضراً و لا نفعاً إلا اللّه تعالي. و فيه تعظيم لهذه الحال. و اقتضي الوعيد. ثم قال لنبيه صلي اللّه عليه و آله «وَ لَو تَري» يا محمّد «إِذِ المُجرِمُونَ» فجواب (لو) محذوف و تقديره: و لو تري إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم إذا بعثوا، من الندم علي تفريطهم في الايمان لرأيتم ما تعتبرون به. و الخطاب للنبي صلي اللّه عليه و آله و المراد به الأمة «ناكِسُوا رُؤُسِهِم» من الغم. و قيل:
من الحياء و الخزي مما ارتكبوه من المعاصي «عند ربهم» يعني يوم القيامة ألذي يتولي اللّه تعالي حساب خلقه. و في الكلام حذف لان تقديره قائلين «رَبَّنا أَبصَرنا وَ سَمِعنا» و معناه أبصرنا الرشد و سمعنا الحق، و قيل: معناه أبصرنا صدق وعدك و سمعنا تصديق رسلك. و قيل معناه: إنا كنا بمنزلة العمي، فقد أبصرنا، و بمنزلة الصم، فسمعنا «فارجعنا» أي ردنا الي دار التكليف «نَعمَل صالِحاً» من الطاعات غير ألذي كنا نعمل من المعاصي «إِنّا مُوقِنُونَ» اليوم لا نرتاب بشيء من الحق و الرسالة.
ثم قال تعالي مخبراً عن نفسه «وَ لَو شِئنا لَآتَينا كُلَّ نَفسٍ هُداها» و معناه الاخبار عن قدرته انه يقدر علي إلجائهم الي الايمان بان يفعل أمراً من الأمور يلجئهم الي الإقرار بتوحيد اللّه، لكن ذلک يبطل الغرض بالتكليف، لان المقصود استحقاق الثواب، و الإلجاء لا يثبت معه استحقاق الثواب و قال الجبائي يجوز أن يکون المراد و لو شئنا لأجبناهم الي ما سألوا و لرددتهم الي دار التكليف