تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٩٣
بل يقولون افتراه، ففيها معني (بل) و الألف إذا كانت معادلة فمعناها (او) مع الاستفهام، و (افتراه) معناه افتعله، بل قال تعالي ليس الأمر علي ما قالوه «بَل هُوَ الحَقُّ» من عند اللّه و الحق هو کل شيء کان معتقده علي ما هو به مما يدعو العقل اليه و استحقاق المدح عليه. و تعظيمه الكتاب حق، لأن من اعتقد أنه من عند اللّه کان معتقده علي ما هو به. و الباطل نقيض الحق، و هو ما کان معتقده لا علي ما هو به.
و قوله «بَل هُوَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ» فيه دلالة علي بطلان مذهب المجبرة لان اللّه تعالي أنزله ليهتدي به الخلق لا ليضلوا به عن الدين، و المجبرة تزعم انه أراد ضلال الكفار عن الدين فيجب كونه منزلا ليضل الكفار عن الدين.
و قوله «لِتُنذِرَ قَوماً ما أَتاهُم مِن نَذِيرٍ مِن قَبلِكَ» لا ينافي قوله «وَ إِن مِن أُمَّةٍ إِلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ»[١] لان الحسن، قال: المعني و إن من أمة أهلكت بالعذاب إلا من بعد أن جاءهم نذير ينذرهم بما حل بهم. و هذا خطاب للنبي صلي اللّه عليه و آله يقول اللّه تعالي له «لتنذر» أي لتخوف يا محمّد «قوماً» لم يأتهم مخوف قبلك، يعني أهل الفترة من العرب، فكانوا كأنهم في غفلة عما لزمهم من حق نعم اللّه و ما خلقهم له من العبادة. و قد کان إسماعيل عليه السلام نذيراً لمن أرسل اليه.
ثم قال «اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الأَرضَ» أي اخترعهما و انشأهما و خلق «ما بَينَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ» أي في ما قدره ستة أيام، لأنه قبل خلق الشمس لم يكن ليل و لا نهار. و قوله «ثُمَّ استَوي عَلَي العَرشِ» أي استوي عليه بالقهر و الاستعلاء، و قد فسرناه في ما مضي[٢] و دخلت «ثم» علي (استَوي عَلَي العَرشِ)
[١] سورة ٣٥ فاطر آية ٢٤.
[٢] انظر ٤/ ٤٥٢.