تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٨٠
بعض المشقة. ثم قال «إِنَّ ذلِكَ» أي ما ذكره من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر «مِن عَزمِ الأُمُورِ» من العقد الصحيح علي فعل الحسن بدلا من القبيح، و العزم العقد علي الأمر لتوطين النفس علي فعله، و هي الارادة المتقدمة للفعل بأكثر من وقت، لان التلون في الرأي يناقض العزم. قال اللّه تعالي «فَاصبِر كَما صَبَرَ أُولُوا العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ»[١].
ثم حكي ما قال لقمان لابنه، فانه قال له ايضاً، «وَ لا تُصَعِّر خَدَّكَ لِلنّاسِ» و معناه لا تعرض بوجهك عن النّاس تكبراً- ذكره إبن عباس- و اصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رءوسها حتي يلفت أعناقها فتشبه به الرجل المتكبر علي النّاس. و قال عمر بن جني الثعلبي و اضافه المبرد الي الفرزدق:
و كنا إذا الجبار صعر خده أقمنا له من مثله فتقوما[٢]
قال ابو علي الفارسي: يجوز أن يکون تصعر و تصاعر بمعني، كقولهم ضعف و ضاعف، قال ابو الحسن (لا تصاعر) لغة اهل الحجاز و (لا تصعر) لغة بني تميم. و المعني و لا تتكبر، و لا تعرض عنهم تكبراً «وَ لا تَمشِ فِي الأَرضِ مَرَحاً» أي مشي مختال متكبر «إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُختالٍ فَخُورٍ» فالاختيال مشية البطر، قال مجاهد: المختال المتكبر، و الفخر ذكر المناقب للتطاول بها علي السامع، يقال: فخر يفخر فخراً و فاخره مفاخرة و فخاراً، و تفاخرا تفاخراً و افتخر افتخاراً.
ثم قال له «وَ اقصِد فِي مَشيِكَ» أي اجعل مشيك مشي قصد، لا تمشي مشي مختال و لا متكبر «وَ اغضُض مِن صَوتِكَ» أي لا ترفع صوتك متطاولًا لأنه مذموم «إِنَّ أَنكَرَ الأَصواتِ لَصَوتُ الحَمِيرِ» قال الفراء: معناه إن أشد
[١] سورة ٤٦ الأحقاف آية ٣٥.
[٢] مجاز القرآن ٢/ ١٧٢.