تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٤١
ثم قال (إن في ذلک) يعني في خلق الازواج مشاكلة للرجال (لآيات) أي لدلالات واضحات (لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ) في ذلک و يعتبرون به، و الفكر و الاعتبار و النظر واحد، فالفكر في أن الازواج لأي شيء خلقت! و من خلقها!
و من أنعم بها! و من جعلها علي الأحوال الّتي يعظم السرور بها! و كيف لا يقدر احد من العباد علي ذلک! و ذلک من أعظم الدلالة علي أن لها خالقاً مخالفاً لها و منشئاً حكيماً يستحق العبادة، و لا يستحقها غيره.
ثم نبه علي آية أخري فقال (و من آياته) الدالة علي توحيده و وجوب اخلاص العبادة له «خَلقُ السَّماواتِ وَ الأَرضِ» و ما فيهما من عجائب خلقه من النجوم و الشمس و القمر و جريانها علي غاية الحكمة و النظام ألذي يعجز کل أحد عنها و بما في الإرض من أنواع الأشجار و النبات و أصناف الجمادات الّتي ينتفع بها و فنون النعم الّتي يكثر الانتفاع بها «وَ اختِلافُ أَلسِنَتِكُم وَ أَلوانِكُم» فالالسنة جمع لسان، و اختلافها ما بناها اللّه تعالي، و هيأتها مختلفة في الشكل و الهيئة و تأتي الحروف بها «وَ اختِلافُ أَلسِنَتِكُم» أي اختلاف مخارجها الّتي لا يمكن الكلام إلا بكونها كذلك. و قال قوم المراد بالالسنة اختلاف اللغات، و هو جواب من يقول: إن اللغات أصلها من فعل اللّه دون المواضعة. فأما من يقول: اللغات مواضعة فان تلك المواضعة من فعلهم دون فعل اللّه، غير أنه لما كانت الآلات الّتي تتأتي بها هذه الضروب لا يقدر علي تهيئها كذلك غير اللّه جاز أن تضاف اللغات اليه تعالي علي ضرب من المجاز «وَ أَلوانِكُم» أي و اختلاف ألوانكم من البياض و الحمرة و الشقرة و الصفرة، و غير ذلک «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ» أي إن في خلق جميع ذلک لدلالات واضحات لجميع خلقه الّذين خلقهم، و أكمل عقولهم