تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٣١
(ان كذبوا) و تقديره ثم کان عاقبة المسيء التكذيب بآيات اللّه، أي لم يظفر في شركه و كفره إلا بالتكذيب، و يکون السوء علي هذا نصباً علي المصدر في قوله «وعد الله» نصب علي المصدر، و تقديره: إن ما ذكره الله تعالي من ان الروم ستغلب فارس في ما بعد، وعد وعداً لله لا يخلف وعده، و تقديره وعداً لله وعده کما قال الشاعر:
يسعي الوشاة جنابيها و قيلهم إنك يا إبن أبي سلمي لمقتول[١]
أي و يقولون: قيلهم، و الأخلاف فعل خلاف ما تقدم الوعد به، و سبيل الوعد بالخبر و الوعيد بالشر واحد في انه إذا وقع فيه خلاف ما تضمنه کان خلفاً، ثم قال «وَ لكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لا يَعلَمُونَ» صحة ما أخبرناك به لجهلهم بالله و تفريطهم في النظر المؤدي إلي معرفة الله، و لا يناقض قوله «لا يعلمون» لقوله «يَعلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الحَياةِ الدُّنيا» لأن ذلک ورد مورد المبالغة لهم بالذم لتضييعهم علي ما يلزمهم من أمر الله، كأنهم لا يعلمون شيئاً. ثم بين حالهم في ما عقلوا عنه، و ما عملوه. و معني «يَعلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الحَياةِ الدُّنيا» أي عمران الدنيا متي يزرعون و متي يحصدون، و كيف يبنون و من أين يعيشون و هم جهال بأمر الآخرة، و له مضيعون- ذكره إبن عباس- أي عمروا الدنيا و اخربوا الآخرة. و الظاهر هو ألذي يصح ان يدرك من غير كشف عنه. فالله تعالي ظاهر بالأدلة، باطن عن حواس خلقه. و الأمور كلها ظاهرة له، لأنه يعلمها من غير كشف عنها و لا دلالة تؤديه اليها. و كلما يعلم بأوائل العقول ظاهر و كلما يعلم بدليل العقل باطن، لأن دليل العقل يجري مجري الكشف عن صحة المعني- في صفته- و الغفلة ذهاب المعني عن النفس كحال النائم، و نقيضه
[١] مر هذا البيت في ١/ ٣٠٠ و ٥/ ٣٨٨.