تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٩٢
و قوله «وَ لَيَحمِلُنَّ أَثقالَهُم وَ أَثقالًا مَعَ أَثقالِهِم» معناه انهم يحملون خطاياهم في أنفسهم الّتي لا يعملونها بغيرهم، و يحلون الخطايا الّتي ظلموا بها غيرهم، فحسن لذلك فيه التفصيل ألذي ذكره الله.
و قوله «وَ لَيُسئَلُنَّ يَومَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفتَرُونَ» أي يعملون. و معناه إنهم يسألون سؤال تعنيف و توبيخ و تبكيت و تقريع، لا سؤال استعلام كسؤال التعجيز في الجدل، كقولك للوثني ما الدليل علي جواز عبادة الأوثان، و کما قال تعالي «هاتُوا بُرهانَكُم إِن كُنتُم صادِقِينَ»[١].
ثم اخبر تعالي انه أرسل نوحاً الي قومه يدعوهم الي توحيد الله و إخلاص العبادة له، و انه مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فلم يجيبوه، و كفروا به «فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ» جزاء علي كفرهم، فأهلكهم الله تعالي «وَ هُم ظالِمُونَ» لنفوسهم بما فعلوه من عصيان اللّه تعالي و الاشراك به، و الطوفان الماء الكثير الغامر، لأنه يطوف بكثرته في نواحي الإرض قال الراجز:
أفناهم طوفان موت جارف[٢]
شبه الموت في كثرته بالطوفان. ثم اخبر تعالي انه أنجي نوحاً و الّذين ركبوا معه السفينة من المؤمنين به، و جعل السفينة آية أي علامة للخلائق يعتبرون بها إلي يوم القيامة، لأنها فرقت بين المؤمنين و الكفار و العاصين و الأخيار، فهي دلالة للخلق علي صدق نوح و كفر قومه.
قوله تعالي: [سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٦ الي ٢٠]
وَ إِبراهِيمَ إِذ قالَ لِقَومِهِ اعبُدُوا اللّهَ وَ اتَّقُوهُ ذلِكُم خَيرٌ لَكُم إِن كُنتُم تَعلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ أَوثاناً وَ تَخلُقُونَ إِفكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ لا يَملِكُونَ لَكُم رِزقاً فَابتَغُوا عِندَ اللّهِ الرِّزقَ وَ اعبُدُوهُ وَ اشكُرُوا لَهُ إِلَيهِ تُرجَعُونَ (١٧) وَ إِن تُكَذِّبُوا فَقَد كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبلِكُم وَ ما عَلَي الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاغُ المُبِينُ (١٨) أَ وَ لَم يَرَوا كَيفَ يُبدِئُ اللّهُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَي اللّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُل سِيرُوا فِي الأَرضِ فَانظُرُوا كَيفَ بَدَأَ الخَلقَ ثُمَّ اللّهُ يُنشِئُ النَّشأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللّهَ عَلي كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٠)
[١] سورة ٢ البقرة آية ١١١ و سورة ٢٧ النمل آية ٦٤
[٢] تفسير القرطبي ١٣/ ٥٣٤.