تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٦١
قرناً بعد قرن فأخبرناهم أنا أهلكنا قوم نوح بكذا، و قوم هود بكذا، و قوم صالح بكذا «لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُونَ» فيخافوا أن ينزل بهم ما نزل بمن کان قبلهم.
و اصل التوصيل من وصل الحبال بعضها ببعض. و منه قول الشاعر:
فقل لبني مروان ما بال ذمة و حبل ضعيف ما يزال يوصّل[١]
و المعني انا اتبعنا القرآن بعضه بعضاً. و قيل: معناه فصلنا لهم القول.
و قوله «الَّذِينَ آتَيناهُمُ الكِتابَ» يعني التوراة (من قبله) يعني من قبل القرآن و قد تقدم ذكره في قوله «فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِندِنا قالُوا لَو لا أُوتِيَ مِثلَ ما أُوتِيَ مُوسي أَ وَ لَم يَكفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسي مِن قَبلُ».
و قوله «هُم بِهِ يُؤمِنُونَ» أي هم بالقرآن يصدقون من قبل نزوله و بعد نزوله. و يحتمل أن تكون الكناية عن النبي صلي اللّه عليه و آله، و تقديره الّذين آتيناهم الكتاب من قبل محمّد هم بمحمد يؤمنون، لأنهم كانوا يجدون صفته في التوراة ثم قال (وَ إِذا يُتلي عَلَيهِم) يعني القرآن «قالُوا آمَنّا بِهِ» أي صدقنا به «إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إِنّا كُنّا» من قبل نزوله «مسلمين» به مستمسكين بما فيه.
ثم اخبر تعالي ان هؤلاء الّذين وصفهم يعطيهم الله أجرهم اي ثوابهم علي ما صبروا في جنب الله «مرتين» إحداهما- لفعلهم الطاعة، و الثانية للصبر عليها لما يوجبه العقل من التمسك بها، و الصبر حبس النفس عما تنازع اليه فيما لا يجوز أن يتخطأ اليه، و لذلك مدح الله الصابرين. و الصبر علي الحق مر إلا أنه يؤدي الي الثواب ألذي هو أحلي من الشهد، فهؤلاء صبروا علي الامتناع من المعاصي، و علي فعل الطاعات. و قيل: صبروا علي الأذي في جنب الله.
[١] تفسير القرطبي ١٣/ ٢٩٥ و الطبري ٢٠/ ٥١ مع اختلاف قليل في الرواية.