تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٢٤
(إِلّا مَن شاءَ اللّهُ) يعني من الملائكة الّذين يثبت اللّه قلوبهم. و قيل:
إسرافيل هو النافخ في الصور بأمر اللّه تعالي. ثم قال (وَ كُلٌّ أَتَوهُ داخِرِينَ) معناه إن جميع الخلق جاءوا للّه داخرين أي صاغرين. فمن قصر، حمله علي انهم أتوه أي جاءوه. و من مدّ، حمله علي أنهم جايئوه علي وزن (فاعلوه).
و لفظة (کل) هاهنا معرفة، لأنها قطعت عن الإضافة، کما قطع قوله (من قبل و من بعد)[١] إلا أنه لم يبن، لأنه قطع عن متمكن التمكن التام. و ليس كذلك (من قبل و من بعد) لأنه کان ظرفاً لا يدخله الرفع.
و قوله (وَ تَرَي الجِبالَ تَحسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ) قال إبن عباس: تحسبها قائمة و هي تسير سيراً حثيثاً سريعاً قال النابغة الجعدي:
نازعن مثل الطود يحسب أنهم وقوف لحاح و الركاب تهملج[٢]
أي من أجل كثرتهم و التفافهم يحسب انهم وقوف، فكذلك الجبال.
و قوله (صُنعَ اللّهِ الَّذِي أَتقَنَ كُلَّ شَيءٍ) نصب (صُنعَ اللّهِ) بما دل عليه ما تقدم من الكلام من قوله (تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ) فكأنه قال: صنع اللّه صنع ألذي أتقن کل شيء إلا انه اظهر اسم اللّه في الثاني، لأنه لم يذكر في الأول و انما دل عليه. و الإتقان حسن إيناق. و قوله (إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفعَلُونَ) أي عليم بأفعالهم فيجازيهم بحسبها علي الطاعة بالثواب و علي المعصية بالعقاب.
ثم بين كيفية الجزاء، فقال (مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ) يعني بالخصلة الحسنة (فَلَهُ خَيرٌ مِنها) أي خير يصيبه منها. و قيل: فله أفضل منها في عظم النفع لأن له بقيمتها و بالوعد ألذي وعده اللّه بها كأنه قال: من أتي بالحسنة الّتي هي الايمان و التوحيد و الطاعة للّه يوم القيامة يکون آمناً لا يفزع کما يفزع الكفار
[١] سورة ٣٠ الروم آية ٤
[٢] تفسير الطبري ٢٠/ ١٤.