بحوث في علم الرجال - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٨١ - البحث العاشر حول عدالة صحابة النبي الأعظم صلى الله عليه و آله
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً ...، و كلمة: «من» في قوله تعالى: مِنْهُمْ ظاهرة في التّبعيض، فلا بدّ من إحراز الإيمان و عمل الصّالحات.
و يمكن أن يقال: إنّ ما وصفهم اللّه تعالى به من الصّفات في صدر الآية يستلزم صدقهم و لا ينافيه ذيل الآية، نعم، لا تدلّ الآية على أن جميع الصّحابة كذلك، فهم طائفة خاصّة منهم، أي: من الذين كانوا معه في المدينة غالبا.
الرابع: قوله تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً وَ يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. لا يبعد دلالة سياق الآية على أنّهم صادقون في إيمانهم و محبّه ... الرسول و نصرته، فلا يستفاد من الآية صدقهم في كلّ شيء[١]، و مثله قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، أي: في إيمانهم كما يشير إليه قوله تعالى قبل هذه الآية: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ....
و أكثر ظهورا منها قوله تعالى: ... وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ ... وَ آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ... وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصَّابِرِينَ ... أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.
و كذا قوله تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ... هذه الآيات الثلاث سيقت على نحو القضيّة الحقيقيّة دون الخارجيّة، و تطبيقها على الأفراد خارجا، محتاج إلى إحراز اتّصافهم بما في الآيات.
و أمّا الاحاديث الواردة في مدح الصحابة، فكلّها لا يثبت وثاقتهم؛ إذ بعد سلامة دلالتها على العدالة أو مجرّد الصدق، يكون الاستدلال بها دوريّا؛ لأنّ الرّاوي الأوّل في كلّ رواية منها هو رجل صحابي لا محالة، و الكلام في وثاقته، و لا يمكن إثبات وثاقة شخص بقول نفسه، و هذا ظاهر.
[١] . و يمكن أن يقال: إنّ مورد الآية هم الّذين يبتغون فضله تعالى و رضوانه و طلب الرضا لا يتحقّق إلّا مع الاجتناب عن الكذب، فمن وجدناه على الصفات المذكورة في الآية نحكم بصدقه، فالآية تختلف دلالة عمّا بعدها من الآيات.