بحوث في علم الرجال - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٥٥ - البحث الرابع في اعتبار التوثيقات الموجودة
ثمّ إنّ الكشّي (و هو أقدم رجالي وصل إلينا كتابه) بيّن حال بعض الرّواة مسندا و ليست أسانيده متواترة فمن أين ينشأ احتمال التواتر، بل القلب يطمئن بعدم التواتر في كثير من التّوثيقات.
و ثالثا: إنّ تطبيق الكبرى ليست من الحدسي الّذي لا يثبت بخبر الواحد، بل هو قريب من الحسّ واضح السبيل يثبت بخبر الواحد، كما مرّ، و بالجملة تصديق الثّقة أمر ظاهر ارتكازي للعقلاء معدود عندهم من الحسيات في الاعتبار. و لو كان مطلق الحدسي- و إن كان ضعيفا- مانعا عن معاملة الحسّي معه لكان التواتر أيضا حدسيّا لاحتياجه إلى قياس خفى، كما قرّر في المنطق، فلاحظ.
و رابعا: إنّ إثبات تواتر نقل، بدعوى بناء العقلاء على معاملة الحسي مع الخبر المردّد بين كونه حسّيا أو حدسيّا مقطوع الفساد عند العرف، بل و لعلّه لم يخطر ببال أحد من العقلاء سوى هذا السّيد الجليل المتصدّي لحجيّة أقوال علماء الرجال.[١]
نعم هنا شيء آخر يمكن به الفرق بين التّوثيق المرسل و الرّواية المرسلة، فيقال بحجيّة الأوّل دون الثّاني.
و حاصل هذا الوجه: أنّ نقل الرّواية من الضّعيف ممكن و لا مانع منه. و أمّا نقل التّوثيق عن الضعيف فغير صحيح، و لا ينبغي صدوره عن الفضلاء، فضلا عن الأكابر؛ و ذلك فإنّ الغرض الوحيد من التّوثيق هو إثبات وثاقة الرّاوي و عدم كذبه في قوله و نقله، حتّى تصبح رواياته عند العلماء و المجتهدين الذين هم غير عالمين بحاله حجّة، و عليه فيكون توثيق الرّاوي بنقل ضعيف نقض للغرض، فإنّ كلّ عاقل يفهم أنّ وثاقة مجهول لا تثبت بتوثيق كاذب، أو مجهول مثله.
و لا ينبغي لأحد أنّ ينسب هذا الاحتمال إلى أمثال هؤلآء الأكابر مثل الشّيخ و أمثاله من أقطاب العلوم الشّرعيّة.
فإذا حكم الشّيخ- مثلا- بوثاقة أحد، لا بدّ من إحرازه وثاقة جميع نقلة الوثاقة.
[١] . و قريب منه ما أفاده بعض السّادة الأجلاء حين مذاكراتي معه أيضا في النجف الأشرف في بيته بعد تلك المذاكرة بعدّة سنوات، بيد أنّ الجليل المذكور عبّر بالواضح دون المتواتر- و المراد: السّيد السعيد الشّهيد المفكّر الإسلامي الكبير. السّيد باقر الصدر رحمه اللّه حشره اللّه مع أجداده،[ استشهد اليه بعد الطبعة الأولى من هذا الكتاب]-.
فإنّ أراد السّيد الشّهيد رحمه اللّه من الوضوح، التواتر، ففيه ما مرّ، و إن أراد بالوضوح ما هو معلول القرائن، فهو حدسي، و إن أراد به الاطمئنان الحاصل من كثرة الطرق، ففيه أنّه يختلف من أحد إلى آخر.