بحوث في علم الرجال - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٧٣ - البحث الثاني و الأربعون حول الكتب الأربعة الإخبارية
(و قد يسّر اللّه و له الحمد تأليف ما سألت و أرجو أن يكون بحيث توخيت)، فقد أخبر الكليني نفسه بصحّة روايات كتابه، و إخباره حجّة.
و اجيب عنه: بأنّ الصّحة عند القدماء أعمّ من الصحّة عند المتأخّرين، فإنّها عند الأوّلين تنشأ من الأمارات و القرائن، الّتي منها وثاقة الرّواة[١]، فلا يكفي تصحيح الكليني لإثبات الصّحة عندنا.
أقول: لا شكّ في حجيّة كلّ خبر محفوف بقرينة موجبة للاطمئنان بمطابقته للواقع، فإنّ الاطمئنان حجّة عقلائيّة، و لكن لم يبق لدينا من القرائن الموجودة عند القدماء سوى صدق الرّواة، و لا نعتمد على شهادة الكليني و أمثاله من علمائنا الأعلام الأماجد بوجود تلك القرائن في رواياتهم لتصبح معتبرة حجّة؛ و ذلك لأنّ القرائن المفيدة للاطمئنان ليست محصورة مضبوطة مقبولة عند الكل، ليكون الإخبار عن وجودها أخبارا عن حس، بل هي كثيرة مختلفة متفرقة تختلف شدّة و ضعفا حسب اختلاف الأنظار و المشارب و الآراء و الحالات النفسية، و حيث أنّ تقليد المجتهد غير سائغ لمجتهد آخر، بل مطلقا بعد موته لم يجز الاعتماد على فتوى الكليني بصحّة رواياته.
و منه ينقدح ضعف ما ذكره المحدّث النوري[٢] من أنّ سبب شهادة الكليني بصحّة رواياته، إمّا وثاقة رواتها فلا إشكال فيه[٣] لأنّها في حكم توثيق جميعهم بالمعنى الأعم، أو كونها مأخوذة من تلك الاصول و الكتب المعتبرة عند الإماميّة كافة، و هي شهادة حسّية أبعد من الخطأ و الغلط من التوثيق ... و كذا لو كان بعضها للوثاقة، و بعضها للأخذ من تلك الاصول كما لعلّه كذلك انتهى ملخّصا.
و قد عرفت عدم حصر القرائن في النقل عن الكتب المعتبرة، بل هي كثيرة غير محصورة و لا مضبوطة.
[١] . لاحظ: في البحث الثالث و الثلاثين من هذا الكتاب تفصيل هذه الأمارات و القرائن.
[٢] . خاتمة مستدركه: ٣/ ٥٣٦.
[٣] . ليس مفاد توثيقه العام- إن صحّ- اعتبار جميع روايات الكافي؛ لأنّ جملة كثيرة من الرّوايات تسقط عن الاعتبار لأجل تعارض توثيق الكليني بجرح غيره كالشّيخ و النجاشي، و لأجل الإرسال، على أنّ في إسناد روايات الكافي من هو مجهول، كما في المراسيل و المرفوعات و معرفة وثاقة رواتها محتاجة إلى علم الغيب، و احتمال وجود سند آخر صحيح للكليني في هذه الموارد مجرّد احتمال لا يجوز البناء عليه، بحسب بناء العقلاء.