بحوث في علم الرجال - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٣٠ - البحث العشرون في بيان بعض المسائل النافعة
أتذكّر موردا ناقش في حجيّة مضمراته، لكن رأيت بعد ذلك في تقريرات درسه لبعض تلاميذه أنّه استشكل فيها. قال: و للمناقشة في سندها مجال؛ لأنّ مضمرها- و هو سماعة- ليس كزرارة و محمّد بن مسلم و أضرابهما من الأجلّاء و الفقهاء الّذين لا يناسبهم السؤال عن غير أئمتهم عليهم السّلام، بل هو من الواقفة و من الجائز أن يسأل غير أئمتنا عليهم السّلام.[١]
١٠. قال الشّهيد الثّاني في درايته: و جوّز الأكثر العمل بالخبر الضعيف في نحو القصّص و المواعظ و فضائل الأعمال- لا في نحو صفات اللّه المتعال و أحكام الحلال و الحرام- و هو من حيث لا يبلغ الضعف حدّ الوضع و الاختلاق، لما اشتهر بين العلماء المحقّقين من التسامح بأدلّة السنن. لما ورد عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من طريق الخاصّة و العامّة أنّه قال: من بلغه عن اللّه تعالى ....[٢]
و يقول ابن حجر من أهل السنة في كتابه تطهير الجنان و اللسان[٣] الّذي ألفه للدفاع عن سيّده معاوية بن أبي سفيان حشره اللّه معه: الّذي أطبق عليه أئمتنا الفقهاء و الاصوليون و الحفّاظ أن الحديث الضعيف حجّة في المناقب، كما أنّه ثمّ بإجماع من يعتدّ به حجّة في فضائل الأعمال ... لكن شرطه على الأصح أن لا يشتد ضعفه.
أقول: أمثال هذه الكلمات هي الّتي روّجت سوق الإخبار الكاذبة و الأحاديث الجعليّة و التصوّف فضلّوا و أضلّوا، و أين هذا من قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا .... و قوله تعالى: لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ...، و لعلّ مراد الشّهيد رحمه اللّه من الأكثر هم الّذين ذكرهم ابن حجر فليسوا منا.
و على كلّ لا يجوز العمل بالضعاف مطلقا، حتّى في المستحبّات و المواعظ، فضلا عن القصص، و لا يجوز إسناد مضامينها إلى الشّارع بوجه، فما شاع من التسامح بأدلّة السنن غير مدلّل، و أخبار (من بلغ) لا تثبت حجيّة الإخبار الضعيفة، بل ترشد إلى ترتّب الثواب على العمل المأتي به بعنوان الاحتياط و رجاء الثواب.
ففي صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «من سمع شيئا من الثواب على شيء فصنعه، كان له، و إن لم يكن على ما بلغه.»[٤]
[١] . التنقيح: ٤/ ٢٨٦.
[٢] . الدراية: ٢٩.
[٣] . تطهير الجنان و اللسان: ١٣.
[٤] . جامع الأحاديث: ١/ ٤٠٩؛ و بحار الأنوار: ٢/ ٢٥٦. و يمكن إرادة من أتى بالعمل غفلة أو جهلا، لا مع فرض احتمال كذب الرّاوي، و اللّه العالم.
و في هذا الفرض لا بدّ من قصد الأمر، المحتمل أو برجاء الأمر و لا بدّ من حمل الصحيح عليه، فإنّ التشريع محرّم.