بحوث في علم الرجال - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٥٣ - البحث الرابع في اعتبار التوثيقات الموجودة
و قيل: إنّ النجّاشي يعتمد في توثيق شخص أو تضعيفه على مشايخه، كما يظهر من كتابه في خلال تراجمه كابن الغضائري، و الكشي، و ابن عقدة و ابن نوح، و ابن بابويه و أبي المفضل و غيرهم، و كذلك عن كتب جمّة، و قد أحصيناها فبلغت أكثر من عشرين كتابا، كرجال أبي العبّاس، و ابن فضّال و العقيقي، و الطبقات لسعد بن عبد اللّه، و الفهرست لأبي عبد اللّه الحسين بن الحسن بن بابويه، و محمّد بن زياد، و لا بن النديم، و لا بن بطّة، و لا بن الوليد، و لغيرهم.[١]
ثمّ إنّك عرفت أنّ بناء العقلاء إنّما هو على اعتبار الإخبار الحسيّ أو الحدسي المدلول عليه بالآثار الظّاهرة الواضحة القطعية الحسيّة، و شيء منهما غير حاصل في المقام فإنّ الصدق و آثاره الحسيّة، و كذا آثار العدالة الحسيّة غير قريبة من إحساس هؤلآء الأعاظم، لما بين الرّاوي و المخبر من الفصل البعيد الزماني؛ و لذا يختلف آراء الرجاليّين في حقّ جملة من الرّواة. و قد مرّ أنّ جملة كثيرة من تلك الأمارات مزيفة باطلة، و هذا فليكن واضحا، و لذا لا بدّ من معرفة الوسائط و وثاقتهم. و قد رأيت في ما قيل من مدارك النجّاشي أنّ بعضهم مجهول، كالعقيقي و ابن النديم مثلا، و أمّا استناد السّيد الأستاذ قدّس سرّه إلى أصالة الحسّ، فيما يدور الإخبار بينه و بين الحدس في كلّ توثيق، فهو صحيح، لكنّها أجنبيّة عن المقام، فإنّها تثبت حسّية الإخبار لا وثاقة المخبر. فإذا علمنا و لو تعبدا وثاقة نقلة التّوثيق و شككنا في صدور التّوثيقات عن حسّ أو حدس فالإصالة المذكورة تنفعنا كما في المسندات.
و أمّا إذا جهل وثاقة النقلة المحذوفة أسمائها، كما في المقام أو ذكرت اسماءهم، فلا أصل يثبت وثاقتهم إلّا بناء على أصالة العدالة، أو أصالة الأمانة القوليّة في كلّ مسلم، أو مؤمن و لا نقول بها.
لا يقال: النقلة الوسائط بين الموثّق و الموثّق إن كانوا ثقات، فقد ثبت المطلوب و إن كانوا مجهولين أو ضعفاء، فاعتماد الموثق عليه يرجع إلى إعمال نوع من الحدس، و الأصل المذكور يدفعه، فأصالة البناء على الحسّ تنفعنا في المقام.
قلت أصالة البناء المذكورة لم تثبت ببرهان عقلي و لا بدليل لفظي من آية أو رواية، حتّى يتمسك بها في كلّ مورد، بل هي دليل لبّي غير ثابت في المقام، فارجع إلى العقلاء، فانظر إلى بنائهم فهل يثبتون وثاقة مئات من المجهولين و المحتملون كذبا بهذا الأصل، و بهذا
[١] . أصول علم الرجال: ٢٦.