بحوث في علم الرجال - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٩ - البحث الثالث في مدرك حجية قول الموثقين و الجارحين
و كقول اللغوي: إنّ اللفظة الفلانيّة معناها كذا إذا وردت في خبر متضمّن لحكم كلّي.
و كقول الرّاوي: بعد قول الإمام: إنّه يجب في هذا اليوم كذا: و كان اليوم يوم الجمعة.
و كقوله: إنّ الإمام قال كذا و كذا، و كان السّائل رجلا أو امرأة، و إن الإمام صلّي في مكان و قال إنّ الصلاة فيها واجبة أو ذات ثواب، ثمّ يقول الرّاوي، و كان المكان مسجد الكوفة مثلا.
و أمثال ذلك فإنّه لا شكّ لأحد في اعتبار قول الرّاوي، و إن كان في موضوع خارجي.
فالقسم الأوّل: بناء على الرّدع- لا يثبت بخبر الثّقة و هو واضح.
و أمّا القسم الثّاني، فلا مانع من شمول أدلّة حجيّة الخبر في الأحكام لها، فإنّ الإخبار عنها إخبار عن الأحكام الكليّة الشّرعيّة حتّى بناء على الرّدع المذكور.
و منه انقدح إثبات الاجتهاد، بل سائر شرائط المجتهد كالعدالة و غيرها بخبر الثّقة، فإنّها موضوعات للأحكام الكليّة الشّرعيّة للمقلّد، نعم، مقتضى القاعدة عدم جواز الاقتداء بمثل هذا المجتهد، فإنّ عدالته الثابتة بخبر الثّقة إنّما هي كافية للتقليد و العمل بفتاويه، لا للاقتداء به في الصّلاة. و قبول شهادته في المرافعات، مثلا فإنّهما من الأحكام الجزئيّة الّتي لا بدّ من إقامة البيّنة عليهما بناء على هذا القول، فكما يقبل قول الرّاوي، بعد نقل الحكم.
و قول الإمام: إنّ اليوم كان جمعة، مثلا أو كان السّائل رجلا و هكذا غيره ممّا يتغيّر الأحكام الكلّيّة به، كذا يقبل في كلّ موضوع خارجي يترتّب عليه حكم كلّي كالاجتهاد و الوثاقة و الضعف دون الأعلميّة فإنّها حدسيّة محضة.
فإنّ قلت: فعلى هذا يجب قبول قول اللغوي أيضا فإنّه يترتّب عليه حكم كلّي و لا فرق بين قوله و قول الرّجالي و نحوه.
قلت: نعم، نلتزم به إلّا أنّ يمنع منه بأنّ قول اللغوي حدسي غير حسّي كالأعلميّة، لكن أجاب عند سيّدنا الأستاذ الحكيم قدّس سرّه في حقايق الاصول بأنّ الحدس القريب من الحسّ لا بأس بالاعتماد عليه؛ و لذا بنوا على قبول الخبر المنقول بالمعنى مع أنّه ممّا نحن فيه. انتهى. و يمكن الخدش في الاستشهاد المذكور بأنّ البناء المزبور لدليل خاصّ، لا لما ذكره كما لا يخفى.[١]
[١] . إلّا أن يقال: إنّ عمل اللغوي هو نقل المعاني المستعملة فيها الالفاظ، فهو يجمع ما يجده من المعاني الّتي يريدها أهل المحاورة و الاستعمال، سواء كانت حقيقيّة أو مجازيّة، و ينقلها إلينا و هذا أمر حسّي لا يحتاج إلى خبرويّة و إعمال حدس، نعم، هو من أهل الخبرة بالنظر إلى موارد الاستعمالات فقط لا في بيان المعاني الموضوعة لها الألفاظ. و بعبارة ثانية: ليس اللغوي من أهل الخبرة بالنسبة إلى تعيين ظواهر الألفاظ بالوضع أو بالقرينة العامّة. و عليه فإخباره عن استعمال اللفظ في المعاني من جهة مطلق النبأ، لا من باب الشّهادة المعتبرة فيها العدالة كما ذكر في تقرير دروس بعض أساتيذنا في أصول الفقه.