بحوث في علم الرجال - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٨ - البحث الثالث في مدرك حجية قول الموثقين و الجارحين
و ثالثا: إنّ الاستدلال بها موقوف على أنّ المراد من البيّنة، البيّنة الاصطلاحيّة، أعني بها:
تعدّد المخبرين، كما كان يصرّ عليه سيّدنا الأستاذ الحكيم قدّس سرّه، حينما ذاكرت معه هذا الموضوع في بيته.
فلو قلنا بعدم حقيقة شرعيّة أو متشرعيّة في زمان الصّادق عليه السّلام للفظة المذكورة و إنّها استعملت بمعناها اللغوي الأعمّ من معناها الاصطلاحي، لكانت الرّواية شاملة للخبر الواحد أيضا فإنّه بيّنة عرفيّة إذا كان مخبره ثقة. و عليه يكون خبر الثّقة- سواء كان عادلا شرعيّا أم لا- حجّة مطلقا في الأحكام و الموضوعات الّتي منها أحوال الرّواة كالوثاقة و العدالة و الضعف، و غيرها فإذا أخبر بها الثّقة لزم قبولها.
و هذا الاحتمال هو الأرجح لما قرّرناه في شرح كفاية الاصول من التفصيل بين الألفاظ المستعملة في لسان النّبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السّلام بالنسبة إلى ثبوت الحقيقة الشّرعيّة و المتشرّعية، فتلاحظ في الحكم بثبوت الحقيقة المذكورة و عدمه لكلّ لفظ، كثرة استعماله و قلّته.
و الظّاهر عدم إثبات استعمال لفظ: (بيّنة) في لسان النّبي الأكرم و الأئمّة عليهم السّلام في معناه المصطلح عليه اليوم بحدّ يوجب نقلها إليه، و لا أقل من الشّك و الأصل عدمه، نعم، استعمل فيه من باب استعمال المطلق في أحد أفراده لا من باب استعمال اللفظ في معناه. فتأمّل.[١]
ثمّ لو تنزّلنا عن ذلك و فرضنا ردع الشّارع عنه في الموضوعات، لكان لنا أيضا القول بحجيّة قول الرّجالي من باب النبأ، و توضيح ذلك:
إنّ الموضوعات على قسمين:
أحدهما: ما هو موضوع لحكم جزئي كحياة زيد، و موت عمرو و كرية ماء، و نجاسة ثوب و طهارة ظرف، و ملكيّة حائط، و الطلوع، و الغروب، و أمثال ذلك.
ثانيهما: ما هو موضوع أو جزء موضوع للأحكام الكليّة كوثاقة زيد أو ضعفه، فإنّه يترتّب عليه حكم كلّي نقله عن الإمام.
[١] . وجه التأمّل عدم البعد في انعقاد الحقيقة الشّرعيّة له أو المتشرعيّة حتّى في لسان الإمام الصّادق عليه السّلام، كما يظهر لمن لاحظ الرّوايات الواردة في باب القضاء. و لذا ذهب المشهور خلافا للشيخ إلى عدم تحقّق التّعارض بين الشّاهدين و الشّاهد و الشّاهدتين و بين الشّاهد و اليمين، و ليس له وجه سوى عدم صدق البيّنة على الأخير و صدقها على الأوّلين، فافهم.