بحوث في علم الرجال - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٥٩ - المعضلة من جهتين
أو حسنهم نأخذ به و إلّا نتركه؛ لأجل الإرسال. و حيث إنّ معظم التّوثيقات مرسلة غير مسندة لا اعتبار بها، و إن كانت حسّية مسموعة عمّن تقدمهما، و هذا هو الإشكال الصعب المهمّ.
٢. الشّيخ الطّوسي رحمه اللّه مجتهد بتمام معنى الكلمة فمن أين نطمئن بأنّه لم يعمل حدسه في توثيقاته و تضعيفاته؟ و الاستمداد من أصالة الحمل على الحسّي عند دوران الأمر بين الحسيّ و الحدسي، حتّى يثبت كونه حدسيّا في المقام مقرون بالصعوبة بعد الظفر على كلمات للشيخ رحمه اللّه تشهد بإمكان استفادته من اجتهاده و حدسه في مسائل علم الرجال. و قد صرّح بأنّ ابن أبي عمير و صفوان و البزنطي و غيرهم- أي: أصحاب الإجماع كلّهم- لا يروون و لا يرسلون إلّا عن ثقة.
و هذا أمر حدسي ظاهرا، نعم، احتمال عدم الحدس في حقّ النجّاشي محدود، فإنّه ليس كالشّيخ في سعة علومه و اجتهاده- إنّ ثبت- مع إنّا لم نجد في كتابه ما يدلّ على إعمال حدسه، لكن يحتمل، في حقّه و حقّ الشّيخ- صدور التّضعيف و التّوثيق بملاحظة روايات الرجال، و هذا يمكن إقامة بعض الشّواهد في فهرستيهما عليه.
و اعلم أنّ الإخبار عن شيء، تارة يكون عن حسّ و مشاهدة، و أخرى عن أمر محسوس مع احتمال استناده إلى الحدس دون الحس.
و ثالثة: عن حدس قريب من الحس.
و رابعة: عن حدس ناشئا عن سبب كانت الملازمة بينه و بين المخبر به تامّة عند المنقول إليه، بحيث لو فرض إطلاعه على ذلك السبب لقطع بالمخبر به، كما في بعض الإجماعات المنقولة.
و خامسة: عن حدس ناشئا من سبب لم تحرّز الملازمة بينه و بينه عند المنقول إليه.
فالأوّل حجّة إذا كان المخبر ثقة صادقا، و الثّاني مثله، إذ بعد كون المخبر به من الأمور المحسوسة فظاهر الحال يدلّ على أنّ الإخبار به عن حسّ دون حدس. و كذا الثالث إذ احتمال الخطأ في الأمور القريبة من الحسّ بعيد موهون عند العقلاء. و كذا الرابع فإنّه إخبار عن أمر حسيّ و هو السّبب. و الاعتماد على المسبّب لأجل تماميّة الملازمة عند المنقول إليه ..
و أمّا الخامس، فهو غير حجّة إلّا بدلالة دليل كما في حجيّه الفتوى، ثمّ الأظهر إثبات الأمور الحدسيّة النظريّة المترتبّة عليها الأحكام الشّرعيّة، كما في تقويم الأمتعة، مثلا: بقول واحد ثقة من أهل الخبرة و لا يتوقف على العدالة و التّعدد؛ و ذلك لبناء العقلاء على ذلك كما في مراجعة المرضى و غيرهم إلى الأطباء و المهندسين، و غيرهما في جميع ما يحتاجون إليه.