بحوث في علم الرجال - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٣٩ - الجواب الرابع
و أمّا الكتب المأمور بها، فإنّ أراد من الأمر بها الأمر المستفاد من الرّوايات المتواترة الدّالة على حجّيه قول الثّقة، فقد عرفت ما فيه، و إن أراد الأمر الخاصّ بالعمل ببعض الكتب، فمع فرض صحّة هذا الأمر سندا، تصبح المرسلات و الضعاف سندا مسندات معتمدة؛ لأجل الأمر الثّاني بنفس المتون، و هذا لا يدلّ على حجيّة المرسل بوجه، كما لا يدلّ على حجيّة نقل الضعيف و المجهول و إلّا بطل علم الرجال من أصله، فما نسجه موهون جدّا.
القول الثّاني عشر: حجّيّة مرسلات الحلّي في مستطرفات سرائره، و سيأتي وجهها و نقده إن شاء اللّه في بحث مستأنف.
القول الثالث عشر: حجّيّة المرسلات الّتي عمل بها المشهور، أي: استندوا إليها في مقام الفتوى، فلا يكفي مجرّد مطابقتها للفتاوي، كما أنّ المعتبر من الشّهرة الشّهرة بين القدماء دون المتأخّرين، و هذا هو الكلام الشّائع، إنّ الشّهرة جابرة و كاسرة، أي: أنّ عمل المشهور برواية ضعيفة جابر لضعفها، و إعراض المشهور عن رواية معتبرة موهن و كاسر لاعتبارها، كما ذهب إليه المشهور أو الأشهر.
و استدلّ له بأنّ القدماء كانوا أقرب إلى زمان الأئمّة عليهم السّلام و كانوا أعرف بالقرائن اللفظيّة و الحاليّة، و خفاء القرائن عليهم أقلّ منه على غيرهم، فلعلّهم وقفوا على ما لم نقف عليه، فعملهم بالرواية الضعيفة يكشف عن قرينة دالّة على صحتّها، و إعراضهم عن الرّواية المعتبرة يكشف عن خلل فيها.[١]
أقول: هذا الاستدلال ممنوع صغرى و كبرى.
أمّا منع الصّغرى، فلأنّه لا سبيل لنا إلى إحراز استناد مشهور القدماء إلى الرّواية غالبا؛ إذ ليس بأيدينا الكتب الاستدلاليّة للقدماء، حتّى أنّه لم يصل إلينا كتاب ابن أبي عقيل و كتاب ابن الجنيد، اللذين قيل: إنّهما ألّفا بشكل استدلالي، بل ليس للمشهور المتقدّمين كتب فتوائيّة حتّى نقف على فتاويهم.
و للشهيد الثّاني كلام طويل ذكره في درايته[٢] و إليك بعضه:
هذا إنّما يتمّ لو كانت الشّهرة متحققة قبل زمن الشّيخ، و الأمر ليس كذلك فإنّ من قبله من العلماء كانوا بين مانع من خبر الواحد مطلقا، كالسيّد المرتضى، و الأكثر
[١] . إذا ثبت علمهم بوجود الرّواية و لم يكن إعراضهم عن الرّواية المذكورة؛ لأجل المناقشة في دلالتها، أو ترجيح غيرها عليها، و لغير ذلك من العمليات الاجتهاديّة.
[٢] . الدراية: ٢٧ و ٢٨.