بحوث في علم الرجال - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٦ - البحث الثالث في مدرك حجية قول الموثقين و الجارحين
و أمّا القول الأخير ففيه: أنّ الرجوع إلى أهل الخبرة إنّما هو في أمور نظريّة موقوفة على نوع تمارس و إعمال نظر، و ليس كلّ أحد يعرف ذلك و الوثاقة ليست كذلك، بل هي أمر حسّي واضح يعرفه كلّ أحد و ليس السلف به بأعلم من الخلف.
و بعبارة أخرى صدق الخبرويّة المصطلحة يتوقّف على حصول العلم من المقدّمات الحدسيّة و البعيدة عن الاحساس و المقام ليس كذلك، فإنّ الوثاقة؛ إمّا حسّية؛ و أمّا قريبة من الحسّ، و لذا تعرف وثاقة الثّقة زوجته و كلّ من باشره من الصغار و النسوان، و لا يكونون أهل الخبرة عرفا.
ثمّ إن المتيّقن من الرجوع إلى أهل الخبرة إنّما هو فيما إذا كان يوجب الوثوق و الاطمئنان، كما ذكره صاحب الكفاية و أشار إليه المامقاني سابقا، و هو في المقام غير حاصل، و لكنّه يندفع بأنّه إن أريد الوثوق الشّخصي فهو غير لازم و إن أريد النّوعي فهو حاصل إلّا في توثيقات المتأخّرين كالعلّامة و أمثاله لأصحاب الأئمّة عليهم السّلام، فإنّه لا يحصل الوثوق النّوعي منها، فتأمّل.
و أمّا ما ذكره الفاضل المذكور من عدم كون العدالة حسّية فاستنتج منه دخول الإخبار بها في أخبار أهل الخبرة لا في مطلق الإخبار المأخوذ فيها الحسّ ففيه إيرادان:
الأوّل: عدم اعتبار العدالة في حجيّة الخبر حتّى على مبناه، بل المعتبر فيها هو التحرّز عن الكذب، فقط.
الثّاني: إنّ العدالة و إن لم تكن حسّية إلّا أنّها قريبة من الحسّ ببروز آثارها المحسوسة و حال هذه الحدسيّات غير المحسوسة القريبة من الحسّ حال الموضوعات الحسيّة في إثباتها بخبر الواحد ببناء العقلاء.
إذا عرفت هذا، فنقول في إثبات المختار و هو المقام الثّاني: إنّه لا شكّ في بناء العقلاء على قبول خبر الثّقة في أحكامهم الكليّة العرفيّة و الموضوعات الخارجيّة، و في جميع أمورهم حتّى الخطيرة و الشّارع المقدّس لم يردع عنه فيكون ممضيّا معتبرا، بل وردت الإخبار الكثيرة بحجّيته في الأحكام الشّرعيّة الكليّة و وردت الإخبار المعتبرة بحجّيته في بعض الموضوعات الخارجيّة للأحكام الجزئية[١]، و في بعضها الآخر مع اعتبار التعدّد.
[١] . كصحيح هشام عن الصّادق عليه السّلام في رجل و كّل آخرا: و الوكالة ثابتة حتّى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه( فهه) بالعزل عن الوكالة: انظر: الوسائل: ١٣/ ٢٨٦.
و صحيح حفص عنه عليه السّلام في الرجل يشتري الأمة من رجل فيقول: إنّي لم أطاها. فقال: إن وثق به فلا بأس أن يأتيها. الوسائل: ١٣/ ٣٩. و قريب منه صحيح ابن سنان لكن فيه: إن كان عندك أمينا فمسّها. و قريب منه صحيح أبي بصير الوسائل: ١٤/ ٥٠٤، و غيرها من الرّوايات.
أقول: إذا اعتبر قول الثّقة في الوطيء اعتبر في غيره جزما، فافهم جيّدا. الوسائل: ١٤/ ٢٢٦.
و المتتبّع يجد جملة وافرة من هذه الأحاديث في مختلف الأبواب. كجواز الصّلاة باذان الثّقة. الوسائل: أبواب الأذان و الإقامة؛ ثبوت الوصيّة بقوله: باب ٩٧ من وصايا الوسائل.