بحوث في علم الرجال - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٤ - البحث الثالث في مدرك حجية قول الموثقين و الجارحين
و استدلّ للقول المزبور- كما في الفصول[١]- بقيام الإجماع على ثبوت العدالة بتعديل العدلين، و انتفاء الدليل فيما عداه فيقتصر عليه، و يرجع في غيره إلى الأصل. و يظهر ضعفه ممّا سيجيء في القول المختار. و زاد عليه في المعالم بأن تزكية الرّاوي شهادة و من شأنها اعتبار العدد فيها، لكنّه غير بيّن و لا مبين،[٢] أو معلوم العدم.
و إن شئت، فقل: إنّ الشّهادة فرد من الإخبار المطلق، إلّا أنّه قد أخذ في خصوصها إنشاء الإخبار بين يدي القاضي عند التّخاصم و التّنازع.
فإذا قال أحد: رأيت اليوم زيدا يقتل أو يزني أو يقول كذا و كذا، كان إخبارا جزما، و لكن إذا قاله عند القاضي عند تنازع المتنازعين فهو شهادة، و اعتبار التّعدد في الشّهادة إنّما هو بدليل خاصّ.
و لو قيل: إنّ كلّ خبر شهادة، قلنا: لا يعتبر فيها التّعدد إلّا في المرافعات عند الحاكم خاصّة.
و أمّا دخولها في الفتوى فليكن مفروغ البطلان، فإنّ حجّية الفتوى مشروطة بأمور غير ممكنة أو غير موجودة في علم الرجال، فمنها الحياة، حيث اتّفقوا- سوى جمع شاذ- على أنّ تقليد الميت ابتداء غير جائز، مع أنّه لا إشكال في حجيّة أقوال علماء الرّجال في حقّنا، و إن كانوا أمواتا، و منها الاجتهاد المطلق بداهة عدم جواز تقليد غير المجتهد، مع أنّه غير ثابت أو ثابت عدمه في حقّ كثير من المعدلين و الجارحين، حتّى أنّ اجتهاد مثل: الكشّي و النجّاشي غير ثابت و هما من أركان هذا العلم و أقطابه، بل بهما أساسه و قوامه، و المتّيقّن تحقّق هذا الشّرط في الشّيخ الطّوسي و العلّامة و أضرابهما، على أنّ التزكية فضلا عن التّحسين ليست من الأمور الحدسيّة الاجتهاديّة كما ستعرف. و مضافا إلى أنّ مورد الاجتهاد هو الأحكام الكليّة و الموضوعات المستنبطة دون الموضوعات الخارجيّة الجزئيّة.
و نسبة الفاضل المامقاني هذا القول إلى المحقّق الجليل صاحب الفصول رحمه اللّه غير صحيحة. و إليك بعض عبارة الفصول:
فالمختار عندي جواز التعويل في تعديل الرّاوي أو إثبات تحرّزه عن الكذب على
[١] . بعد بحث حجيّة خبر الواحد بأربعة عشر ورقا تقريبا.
[٢] . و أمّا اعتبار الإيمان و أصل العدالة في الرّاوي، كما هو خيرة صاحب المعالم و نسبه إلى المشهور، فسيأتي بحثه عند الكلام في شروط الرّاوي في بحث مستقل إن شاء اللّه، و ستعرف أيضا في محلّه أنّ إثبات عدالة الرّواة، و لو بخبر صادق واحد، غير ممكن في الغالب؛ لعدم دلالة كلمة الثّقة على العادل خلافا لجمع.