حقيقة الانقلاب بعد وفاة رسول الله( ص) - أبو معاش، سعيد - الصفحة ٣٠٩ - «احتجاج بليغ لأمير المؤمنين عليه السلام»
اللهم اني أستعديك على قريش، فانهم أضمروا لرسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ضروباً من الشر و الغدر فعجزوا عنها، فحلت بينهم و بينها، فكانت الوجبة بي و الدائرة عليّ. اللهم احفظ حسناً و حسيناً و لا تمكّن فجرة قريش منهما ما دمت حياً، فاذا توفيّتني فأنت الرقيب عليهم و أنت على كل شي شهيد.
قال له قائل: يا أمير المؤمنين لو كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ترك ولداً ذكراً قد بلغ الحلم و آنس منه الرشد كانت العرب تسلّم اليه أمرها؟
قال: لا، بل كانت تقتله ان لم يفعل ما فعلته، ان العرب كرهت أمر محمد صلى الله عليه و آله و سلم و حسدته على ما آتاه اللّه من فضله، و استطالت أيامه حتى قذفت زوجته و نفَّرت ناقته، مع عظيم احسانه كان اليها، و جسيم منّه صلى الله عليه و آله و سلم عندها، و اجتمعت مذ كان حياً على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته.
و لو لا أن قريشاً جعلت اسمه ذريعة الى الرياسة، و سُلّماً الى العز و الاثرة، لما عبدت اللّه تعالى بعد موته يوماً واحداً، و لارتدّت في حافرتها، و عاد قارحها جذعاً و بازلها بكراً.
ثم فتح اللّه عليها الفتوح فأثرت بعد الفاقة، و تموّلت بعد الجهد و المخمصة، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمحاً، و ثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً، و قالت: لو لا أنه حق لما كان كذا.
ثم نسب تلك الفتوح الى آراء ولاتها، و حسن تدبير الأمراء القائمين بها، فتأكد عند الناس نباهة قوم و خمول آخرين، فكنا نحن ممن خمل ذكره و خبت ناره و انقطع صوته و صيته، حتى أكل الدهر علينا و شرب، و مضت السنون و الاحقاب بما فيها، و مات كثير و نشأ كثير ممن لا يعرف.
و ما عسى أن يكون الولد لو كان؟ ان رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم لم يقرّبني ما يعلمونه من القرب للنسب و اللحمة، بل للجهاد و النصيحة، أفتراه لو كان له ولد هل كان يفعل ما فعلت؟ و كذلك يقرب ما قربت، ثم لم يكن ذلك عند قريش و العرب سبباً للحظوة و المنزلة، بل للحرمات و الجفوة.