شرح الفصول النصيرية - الأسترآبادي، عبدالوهاب بن علي - الصفحة ١٩٣ - العدل()
واعلم أنَّ مسألة الحسن والقبح العقليين من المسائل الخلافية المشهورة بين العقلاء، فلابدّ أولاً من تحرير محلّ النزاع؛ ليكون النفي والإثبات وارِدَين على شيء واحد, فنقول: الحسن والقبح يقالان لمعانٍ ثلاث:
الأوّل: صفة الكمال والنقص، يقال: العلم حسن والجهل قبيح، ولا نزاع في أنّ مدركه العقل.
والثاني: ملاءمة الغرض ومنافرته، فما وافق الغرض يكون حسناً، وما خالفه يكون قبيحاً، وما ليس كذلك لم يكن حسناً ولا قبيحاً، وقد يعبّر عنهما بالمصلحة والمفسدة، فيقال: الحسن ما فيه مصلحة، والقبح ما فيه مفسدة، وما خلا عنهما لا يكون شيئاً منهما، وذلك أيضاً عقليّ بحسب اختلاف الإعتبار، فإنَّ قتل زيد مصلحة لأعدائه مفسدة لأوليائه.
الثالث: تعلّق المدح والثواب عاجلاً وآجلاً، و الذمّ والعقاب كذلك، وهذا هو محلّ النزاع، فهو عند الأشاعرة شرعيّ؛ لأنَّ الأفعال كلّها متساوية، وليس شيء منها في نفسه بحيث يقتضي مدح فاعله وثوابه ولا ذمّ فاعله وعقابه, وإنـَّما صارت كذلك بواسطة أمر الشارع بها ونهيه عنها. وعند المعتزلة عقليّ، قالوا: للعقل في نفسه ـ مع قطع النظر عن الشرع ـ جهة محسِّنَة أو مقَبِّحَة, ثمّ إنّها قد تدرَك بالضرورة, كحُسن الصدق النافع, وقُبح الكذب الضّار، وقد تدرَك بالنظر, كقُبح الصدق الضّار, وحُسن الكذب النافع، وقد لا تدرَك بالعقل أصلاً، لكن إذا ورد به الشرع علم أنَّ ثمّة جهة محسّنة, كصوم آخر يوم من رمضان، أو مقبّحة, كصوم أول يوم من شوال. وإذا تقرّرت هذه