شرح الفصول النصيرية - الأسترآبادي، عبدالوهاب بن علي - الصفحة ١٧٥ - التوحيد
توقّفوا في جواز العلم بحقيقته تعالى، كالقاضي أبي بكر. وضرار بن عمرو([٦٣٦]), وكلام الصوفية ـ في الأكثر ـ مُشعِر الإمتناع([٦٣٧])، والقائلون بالجواز اختلفوا في الوقوع، فجمهور المحققين: على أنَّ العلم بكنه حقيقته ـ على تقدير جوازه ـ غير واقع.
وقال بعض الأشاعرة والمعتزلة بالوقوع لنا: أنّ العلم([٦٣٨]) بكنهه ليس بديهياً([٦٣٩]), وهو ظاهر، فتحصيله إمّا بالرسم ولا يفيد الكنه، أو بالحد ولا يمكن تحديده([٦٤٠])؛ لانتفاء
[٦٣٦] ضرار بن عمرو من رؤوس المعتزلة, شيخ الضرارية. كان يقول: الأجسام إنّما هي أعراض مجتمعة, وأنّ النار لا حرَّ فيها, ولا في الثلج برد, ولا في العسل حلاوة, وإنّما يخلق ذلك عند الذوق واللمس. وقال المروذي: قال أحمد بن حنبل: شهدت على ضرار بن عمرو عند سعيد بن عبد الرحمن, فأمر بضرب عنقه, فهرب. وله تصانيف كثيرة تؤذن بكثرة اطّلاعه على الملل والنحل. توفي في حدود الثلاثين ومائتين. اُنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٠/ ٥٤٤-٥٤٥. لسان الميزان لابن حجر: ٣/٢٠٣, تاريخ الاسلام للذهبي: ١٦/ ٤٧٦.
[٦٣٧] لم نعثر على هذا الرأي في المصادر التي في مكتبتنا.
[٦٣٨] في حاشية mحn: حاصل ما استدلّ به, بقوله: لنا, أنّ العلم إمّا بديهيّ أو كسبي؛ لانحصار العلم في الضروري والنظري, وكلاهما منتفيان هنا, كما ذكر.
[٦٣٩] في حاشية mحn: وإلّا لم يقع فيه التنازع والتشاجر, وقد وقع, فلا يكون بديهياً.
[٦٤٠] قال المقداد: أمّا الحدّ, فلأنّ تامّه يكون بالجنس والفصل القريبين, المستلزم لتركّب الماهيّة, المستحيل ذلك على الذات المقدّسة. وكذا ناقصه, إذ لابدّ فيه من الجنس, ولا جنس له, فلا حدّ له. وأمّا الرسم بقسميه, فلأنّه تعريف بالخارج, وظاهر أنّه لا يفيد الإطّلاع على الحقيقة. ولأجل هذا الإمتناع صرّح صاحب شريعتنا صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: Sيا من لا يعلم ما هو إلّا هوR( أ ) (البلد الامين للكفعمي:٣٦٣, من دعاء المشلول) والكليم عليه السلام لـمّا سأله فرعون عن الذات, بإيراد مافي السؤال بقوله: Pوَما رَبُّ الْعالَمِينَO سورة الشعراء ٢٦: ٢٣, أجاب بالصفات, تنبيهاً له على استحالة ذلك, وأنّه غالط في قوله أو مُغالِط, فقال: Pرَبُّ السَّماواتِ وَالأَْرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَO سورة الشعراء ٢٦: ٢٤, فاستوخم الجواب ورجع إلى أنظاره في جهله, فقال: Pأَلا تَسْتَمِعُونَO سورة الشعراء ٢٦: ٢٥, أسألهُ عن الحقيقة فيجيبني بالصفات! فعاد الكليم إلى جوابه بما هو أظهر دلالة على وجود الرب, فقال: Pرَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الأَْوَّلِينَO الشعراء ٢٦: ٢٦, أي منشئكم ومُوجدكم, فإنّ ذلك أظهر ـ عندهم ـ من كونه موجداً لجملة هذا العالم, فإنّ ذلك مفتقر إلى تحقيق أنظار, وتسديد أفكار, فعاند ذلك الجاهل, ورأى إصرار موسى عليه السلام على ذكر الصفات, وهو يطلب الجواب عن الذات, فقال منهمكاً في جهله, ومتهكماً في قوله: Pإِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌO الشعراء:٢٧, فإنّي أسأله بـSماهوR؟ فيجيبني بما يقع جواب لـSأيR, فأبلغ عليه السلام في جوابه, متّبعاً للأمر الإلهي باللّين في خطابه Pرَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَO الشعراء:٢٨, إنَّ حقيقته غير ممكنة المعلومية؛ لأنَّ تجرّدها وبساطتها يمنعان من إمكان تحديدها. الأنوار الجلالية: ١٠١ـ١٠٢, الفصل الأول, التوحيد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
( أ ) في حاشية mحn: ولو كان الإطّلاع على الكنه ممكناً لـمّا جاز هذا الحصر من سيّد البشر, ولما جاز عدم مطابقة الجواب من الكليم, حتى نسب إلى الجنون.