شرح الفصول النصيرية - الأسترآبادي، عبدالوهاب بن علي - الصفحة ٥٧ - بسم الله الرحمن الرحيم ()
إلى الله تعالى، كذلك هؤلاء, أحدثوا مذهب الجبر وأسندوه إلى متشابهات([٨٢]) القرآن، والعقل والنقل دلّا على تنزيه الله تعالى من القبائح، وهم خاصموه باستنادها إليه. وقالت الأشاعرة: القدرية لقب المعتزلة؛ لأنّهم نفوا كون الشرور واقعة بقدر الله تعالى، فلكثرة تلبّسهم بمسألة القدر، لُقِّبوا بهذا الإسم. وأنت خبير بأنّ المثبت للقدر, أحقّ بإسم القدرية من نافيه([٨٣]).
واعلم أنّه لـمّا نقلت الفلسفة([٨٤]) إلى العربية، وخاض فيها الإسلاميّون، وحاولوا
[٨٢] في حاشية mحn: أي الآيات الدالّة على الجبر, وعدم الإختيار للعبد, كقوله تعالى: Pقُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِO سورة النساء ٤: ٧٨, وPيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُO سورة المائدة ٥: ٤٠, ومثل ذلك. من الشارح رحمه الله .
[٨٣] في حاشية mحn: قال الفاضل التفتازاني في شرح الكشّاف, في تفسير قوله تعالى: >وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها< الأعراف٧: ٢٨: وقد ورد في الحديث الصحيح: mالقدرية مجوس هذه الأُمةn فحاول كلّ من فريقي السُنّة والمعتزلة, جعل الإسم للآخر, فنُقل عن المصنّف - يعني مصنّف الكشاف -: أنَّ القدر إسم لأفعال الله تعالى خاصة, لا يفهم منه العرب إلّا هذا, فمن أدخل القدر ما ليس منه, وهو من فعل العبد, فقد أعرب فوجب أن يلقّب به, كما يلقّب الأشياء الخارجة عن العادات, بخلاف من لا يُسمّى به إلّا أفعال الله تعالى خاصة.
وذكر المطرزي في المعرّب: إنَّ القدرية هم الذين يثبتون كلّ أمر بقدر الله, وينسبون القبائح إليه تعالى, وتسميتهم العدلية بها تعكيس؛ لأنَّ الشيء إنّما ينسب إليه المثبت لا النافي, ومن زعم أنّهم أولى بهذا الإسم؛ لأنّهم يثبتون القدر لأنفسهم, فهو جاهل بكلام العرب. اُنظر: المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي:٦٢, باب الجيم, جهم.
[٨٤] في حاشية mعn: الفلسفة محبة الحكمة, والفيلسوف هو محب الحكمة, والمراد بالفلسفة هنا الحكمة, فإنّها كانت بلغة اليونانيين؛ لأنَّ الذين دوّنوا الحكمة أهل اليونان, وكانوا لا يحسنون العربية, ولا يدينون بالشرائع, إلى أن انقرضوا, وخلف من بعدهم حكماء الإسلام, فعرّبوا الحكمة, وقرّروا قواعد الحكماء, وأخذوا بالردّ عليهم, فخلطوا العِلْمَين - أعني الكلام والحكمة - كما لا يخفى.