الاخلاق - السید عبدالله شبر - الصفحة ٣٧١ - في ذكر الموت وقصر الأمل
وقال عليه السلام[١٥٨٣]: ما خلق الله[١٥٨٤] يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت[١٥٨٥].
واعلم أن الموت هائل وخطره عظيم، وغفلتنا عنه لقلة فكرنا وذكرنا له، وإذا ذكرناه فلسنا نذكره بقلب فارغ بل بقلب مشغول بشهوات الدنيا، والطريق فيه تفريغ العبد قلبه عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي بين يديه كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة[١٥٨٦] مخطرة أو يركب البحر فإنه لا يتفكر إلا فيه، فإذا باشر ذكر الموت قلبه فيوشك أن يؤثر فيه، وعند ذلك يقل فرحه وسروره بالدنيا وينكر قلبه.
وأوقع طريق فيه أن يكثر ذكر أقرانه الذين مضوا قبله، فيتذكر موتهم ومصرعهم تحت التراب، ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم، وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم، وكيف أرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم وضيعوا أموالهم وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم، وانقطعت آثارهم، وأوحشت ديارهم.
ومهما تذكر رجلاً رجلاً وفصل في قلبه حاله وكيفية حياته وتوهم صورته وتذكر نشاطه وتردده وأمله في العيش والبقاء ونسيانه للموت وانخداعه بمؤاتاة الأسباب وركونه إلى القوة والشباب وميله الى الضحك واللهو وغفلته عما بين يديه من الموت الذريع والهلاك السريع، وأنه كيف كان يتردد والآن قد تهدمت رجلاه
[١٥٨٣] أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[١٥٨٤] في الفقيه: "الله عزّوجل".
[١٥٨٥] من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: ١/ ١٩٤، باب النوادر/ ح٥٩٦.
[١٥٨٦] المفازة: المهلك.
المفازة: المنجاة، وهي مفعلة من الفوز، يقال فاز فلان: إذا نجا.
مجمع البحرين، الطريحي: ٣/ ٤٣٧، مادة "فوز".