الاخلاق - السید عبدالله شبر - الصفحة ١٢٦ - الفصل الثاني في أقسام التكبر
فيه، يستلذ الأطعمة فتهلكه وترديه، ويستبشع الأدوية وهي تنفعه وتحييه، لا يأمن في لحظة من ليله أو نهاره أن يسلب سمعه وبصره وعلمه وقدرته، وتفلج[٥٥٧] أعضاؤه ويختلس[٥٥٨] عقله وتختطف روحه ويسلب جميع ما يهواه في دنياه، وهو مضطر ذليل، إن ترك لم يبق وإن اختطف يفنى، عبد مملوك لا يقدر على شيء.
فأين هو من التكبر والتجبر وهذا حاله بالفعل، وقد كان نطفة قذرة وسيكون جيفة منتنة يستقذره كل إنسان ويعود إلى ما كان، وليته ترك تراباً، بل يحيا ويعاد ليقاسي الشدائد والآلام، ويحاسب ويعاقب على ما سلف من الأيام، ويخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرقة، ويخرج إلى أهوال القيامة فينظر إلى قيامة قائمة وسماء ممزقة مشققة وأرض مبدلة وجبال مسيرة ونجوم منكدرة وشمس منكسفة وأحوال مظلمة وملائكة غلاظ شداد وجحيم تزفر وجنة ينظر إليها المجرم فيتحسر، ويرى صحائف منشورة كتب فيها ما نطق به وعمل من قليل وكثير ونقير[٥٥٩] وقطمير[٥٦٠]، وقد أشار الله تعالى إلى مبدأ أمر الإنسان ومنتهاه وأواسط أحواله بقوله:((قُتِلَ الإِنساانُ ماا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمااتَهُ فَأَقْبَرَهُ))[٥٦١].
[٥٥٧] الفلج في الرجلين: تباعد ما بين القدمين آخرا. الأفلج: الذي في يديه اعوجاج.
كتاب العين، الفراهيدي: ٦/ ١٢٧ ــ ١٢٨، مادة "فلج".
[٥٥٨] خلس الشيء من باب ضرب،واختلسه وتخلسه،أي: استلبه،والاسم الخلسة بالضم.
مختار الصحاح، الرازي: ١٠٣، مادة "خلس".
[٥٥٩] تمت ترجمته سابقا.
[٥٦٠] قيل هي الجلدة الرقيقة على ظهر النواة تنبت منها النخلة.
مجمع البحرين، الطريحي: ٣/ ٥٢٧، مادة "قطمر".
[٥٦١] سورة عبس/ ١٧ ــ ٢١.