الاخلاق - السید عبدالله شبر - الصفحة ١٢٥ - الفصل الثاني في أقسام التكبر
وفي أول أمره خلق من الأقذار الشنيعة وتصور من النطفة وتغذى من دم الحيض وخرج من مجرى البول إلى الرحم مفيض دم الحيض ثم مجرى القذر. ولو ترك نفسه في حياته يوماً لم يتعهده بالتنظيف والغسل لثارت منه الأنتان والأقذار، وسيموت فيصير جيفة أقذر من سائر الأقذار.
وإن كان تكبره بالقوة فعلاجه التفكر في ما سلط عليه من العلل والأمراض وأنه لو توجع عرق واحد من بدنه لصار أعجز من كل عاجز وأذل من كل ذليل، وأنه لو سلبه الذباب شيئاً لم يستنقذه منه، ولو دخلت بقة في أنفه أو نملة في أذنه لقتلته، ولو دخلت شوكة في رجله لأعجزته، وأن حمى يوم تحلل من قوته ما لا ينجبر في مدة. ثم إن اشتدت قوته فلا تزيد على قوة الحمار والفيل والجمل والبقر، وأي افتخار في صفة تشركه البهائم فيها.
وأما التكبر بالغنى وكثرة المال والأتباع فذلك تكبر بمعنى خارج من ذات الإنسان لا كالجمال والقوة والعمل، وهذا أقبح أنواع التكبر، فأف لشرف تسبقه اليهود والنصارى وسائر الكفار، وتف لشرف يأخذه السارق والسلطان.
هذا كله مضافاً إلى ما سلط عليه من الأمراض العظيمة والأسقام الجسيمة والآفات المختلفة والطبائع المتضادة من المرة والبلغم والريح والدم، ليهدم البعض من أجزائه البعض، شاء أم أبى، رضي أم سخط، فيجوع كرهاً ويعطش كرهاً ويمرض كرهاً ويموت كرهاً، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً[٥٥٦] ولا خيراً ولا شراً، يريد أن يعلم الشيء فيجهله ويريد أن يذكر الشيء فينساه ويريد أن ينسى الشيء ويغفل عنه فلا ينساه، ويريد أن ينصرف قلبه إلى ما يهمه فيجول في غيره فلا يملك قلبه ولا نفسه، يشتهي الشيء وربما يكون هلاكه فيه ويكره الشيء وتكون حياته
[٥٥٦] إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأعراف/ الآية: ١٨٨،ونصها: (( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا)).