الاخلاق - السید عبدالله شبر - الصفحة ٣٠٨ - الفصل الأول في حقيقتها
وإن احتجت إلى شاهد على ذلك في عالم الدنيا فانظر إلى الطباع السليمة كيف تراها تستلذ بالنظر إلى الأنوار والأزهار والأطيار الحسنة والألوان المليحة، حتى إن الإنسان لتنفرج عنه الغموم بالنظر إليها لا لطلب حظ وراء النظر.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعجبه النظر إلى الخضرة والماء الجاري[١٣١٥]، فالخضرة والماء الجاري محبوبان لا لشرب الماء وأكل الخضرة.
ثم الحسن والجمال ليسا مقصورين على مدركات البصر ولا على تناسب الخلقة، إذ يقال: هذا صوت حسن، وهذا خلق حسن، وهذا علم حسن، وهذه سيرة حسنة، وليس شيء من هذه الصفات يدرك بالبصر. بل ليس الحسن والجمال مقصوراً على مدركات الحواس، إذ كثير منها يدرك بالبصيرة الباطنة، ولذا ترى الطباع السليمة مجبولة[١٣١٦] على حب الأنبياء والأئمة عليهم السلام مع أنهم لم يشاهدوهم.
ولما تواتر وصف أمير المؤمنين بالشجاعة وحاتماً بالسخاء أحبتهما القلوب حباً ضرورياً بدون نظر إلى صورة محسوسة ولا عن حظ يناله المحب منهما.
ومن كانت البصيرة الباطنة أغلب عليه من الحواس الظاهرة كان حبه للمعاني الباطنة أكثر من حبة للمعاني الظاهرة.
ثم كل محب إما أن يحب نفسه أو يحب غيره، ومحبة الغير إما لحسنه وجماله أو لإحسانه وكماله أو لمجانسة[١٣١٧] بينه وبين المحب:
[١٣١٥] كنز العمال، المتقي الهندي: ٧/١٥٠، أخلاق متفرقة/ ح١٨٤٦١.
[١٣١٦] الجبل: الخلق، جبلهم الله، فهم مجبولون. جبلة الإنسان على هذا الأمر، أي: طبع عليه.
كتاب العين، الفراهيدي: ٦/١٣٧، مادة "جبل".
[١٣١٧] الجنس: الضرب من كل شيء. والجنس اعم من النوع، ومنه المجانسة والتجنيس. ويقال: هذا يجانس هذا، أي: يشاكله.
لسان العرب، ابن منظور: ٦/٤٣، مادة "جنس".