الاخلاق - السید عبدالله شبر - الصفحة ٣٧٢ - في ذكر الموت وقصر الأمل
ومفاصله، وكيف كان ينطق وقد أكل الدود لسانه، وكيف كان يضحك وقد أكل التراب أسنانه، وكيف كان يدبر لنفسه ما لا يحتاج إليه الى عشر سنين في وقت لم يكن بينه وبين الموت إلا شهر، وهو غافل عما يراد به حتى جاءه الموت في وقت لا يحتسبه، فانكشفت له صورة ملك الموت، وقرع سمعه النداء إما بالجنة أو بالنار فعند ذلك ينظر في نفسه أنه مثلهم وغفلته كغفلتهم، والسعيد من اتعظ بغيره.
والذاكرون للموت على أقسام: فمنهم المنهمك في اللذات المنكب على الشهوات، فهو إن اتفق ذكره للموت تأسف على دنياه واشتغل بمذمته وفرّ منه غفلة عن قوله تعالى: ((أَيْنَما تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ))[١٥٨٧] وقوله تعالى: ((قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ))[١٥٨٨] ويزيده ذكر الموت من الله بعداً. نعم ربما استفاد تنغص نعيمه وتكدر لذته، فيتجافى عن الدنيا.
ومنهم: التائبون الذين يكثرون ذكر الموت لينبعث من قلوبهم الخوف والخشية فيفوا بتمام التوبة، وربما كرهوا الموت خيفة من أن يختطفهم قبل تمام التوبة وقبل إصلاح الزاد، وهم معذورون في كراهة الموت غير داخلين في قوله عليه السلام[١٥٨٩]: «من كره لقاء الله كره الله لقاءه»[١٥٩٠] لأنهم يخافون فوت لقاء الله للقصور والتقصير، فهم كالذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلاً بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه، فلا يعدّ كارهاً للقائه، وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له.
[١٥٨٧] سورة النساء/ ٧٨.
[١٥٨٨] سورة الجمعة/ ٨.
[١٥٨٩] أي: "الإمام الصادق عليه السلام وفي ذيل الحديث يروي الإمام الصادق عليه السلام هذا النص عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم".
[١٥٩٠] مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: ١٧٢، الباب الواحد والثمانون في ذكر الموت / ذيل الحديث.