صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٢٠٥ - خطاب
تترقّى، وكلها دائبة على تنمية الماديات والاستفادة منها لإيجاد نظام مادي محض في هذا العالم. بينما جاء الأنبياء أصلًا لتزكية النفوس الإنسانية وتعليم البشر الكتاب والحكمة وتربيته عليهما وتمكينه من السيطرة على غرائزه. فالإنسان قبل السيطرة على الطِّباع بيد الأنبياء بنحو الإصلاح يريد كل شيء. فهو واحد من موجودات العالم. وحَيْوان كسائر الحيوانات سوى أنّه قابل للتربية. ولا قوّة من قواه محدودة، فشهوته غير محدودة بنظام يضبطها مثل سائر الحيوانات، بل أسوأ منها، وغضب الإنسان غير محدود بنظام يتيح له أن يغضب في هذا الشأن، ولا يغضب في ذاك، أجل غير محدود الغضب. والتسلّط على البلدان والجماعات غير محدود أيضاً بنهج يسمح له بغلبة هذا، ولا يسمح له بغلبة ذاك. إنّه مطلق. ومثلما أنّ شهوة الإنسان غير محدودة ولا حدّ لها لا فرق بين أفراده فيما هو غير محدود من طباعِه وخِصاله، فحين يغضب ليس لغضبه حدّ، ولا تمكن السيطرة عليه. فلابد من ناس يستطيعون السيطرة على هذه الطبيعة وبقية الطباع المطلقة غير المحدودة، وهؤلاء هم الأنبياء- عليهم السلام- الذين جاؤوا ليحدّوا هذه القوى المطلقة العنان بتزكية النفوس وتعليمها الكتاب والحكمة، وتربيتها تربية إلاهية.
خطر ترك زمام النفس الأمّارة
هذه المقدمة التي عرضتها عليكم كانت لأننا في معرض خطر عظيم أدهى من خطر النظام السابق. وذاك الخطر هو الخلاعة، فبعدما رأى الإنسان نفسه حرّاً، ولمس أنّه حطّم أسوار الاستبداد، وخرج من سجن يضمّ ٣٥ مليونا، وجد من المناسب أن يعيش طليق العنان يفعل ما يشاء، أي: على خلاف التعاليم التي جاء بها الأنبياء منذ فجر الخليقة، ليضبطوا قوى الإنسان، ويسيطروا على ما لديه من قدرات، ينظّموا شهواته. ونحن الآن وشعبنا الذي وفّقه الله- تبارك وتعالى- بما بذله من همّة عالية، وبما أظهر من إيمان عميق، وغلَّبه على الطاغوت يجب أن نطلق العنان للنفس.
هذا الخطر خطر عظيم يذهب بتعاليم الأنبياء مع الريح، ويمضي بمشقّات الرسول الأكرم مع الريح، يُزيل هيبة الإسلام. وهيبة الإسلام الآن مرهونة بأعمالكم يا شعب إيران، فشعوب العالم كلها متجهة إليكم لترى ما تصنعون. ماذا تفعلون إذ نلتم الحرية، وخرجتم من الكبت؟ أو صرتم مطلقي العنان؟ أما عاد للأفعال حدّ؟ هل أنتم حرس بأيديكم البنادق ولكم القوّة، وأنتم أولو القدرة وتطئون البيوت، وتستولون على أموال الناس. وتهتكون حرماتهم؟ أو لا، أنتم أولو تربية إسلامية ذات حدّ وسدّ، ففي الإسلام ضبط وانضباط؟ إذا كنتم هكذا، فإنّه إذا كان أحد معادياً للآخر- وهذا ما يجب عدمه في الإسلام- وإذا كان أحد قتل ابن الآخر، أعطى الإسلام أبا المقتول حقّاً أنْ يقتصّ من القاتل، ولا حقّ له غير هذا. وليس من حقه أن يقتص من غير القاتل نفسه وعينه، فمن قتل ابن القاتل أو أبناءه أو عشيرته، أو ارتكب القتل العامّ، فيجب أنْ يقاصّ في الإسلام، ويُقتل. ليس له حقّ غير القصاص