منتخب الاثر فی الامام الثاني عشر علیهالسلام - الصافي، الشيخ لطف الله - الصفحة ٣٦٨ - تحقيق في اعتبار عدالة الراوي في جواز الاخذ بخبره
الذي يستفاد منه الترغيب إلى الإخلاص في المحبّة و كمال التوحيد فيها و ما ذكره من الآيات ناشئ من عدم التأمّل في المراد من الطائفتين من الآيات و الأحاديث، فالطائفة الاولى تنظر إلى مقام اندكاك كلّ محبّة و محبّة كلّ شيء في محبّة اللّه، فلا محبوب للمحبّ إلاّ هو، فكلّ حبّ و محبّ يفنى عنده، فلا يرى شيئا، و لا يحبّ أحدا سواه، و لا يلتفت إلى رؤيته ما سواه و حبّه ما سواه كما إذا كان الإنسان مشغول القلب بالتفكّر في أمر ينسى ما سواه حتّى نفسه، و حتّى ينسى اشتغاله بالتفكّر فيه، و لمّا كان موسى عليه السلام في هذا المشهد العظيم مشتغل القلب بأمر أهله لأنّه جاء ليقتبس نارا، و أمرهم بالمكث لأن يأتيهم منها بقبس، أمره تعالى بأن يفرغ قلبه له و لما يوحى إليه في هذا المشهد المقدّس، فالوصول بهذه المرتبة الرفيعة يناسب ترك الاشتغال بغير اللّه تعالى و التوجّه إلى غيره و إلى محبّة الأهل و الولد، و على هذا الشأن و أعلى مرتبته كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في حال نزول الوحي إليه و غيره من الحالات المقتضية لذلك، فالشئون متفاوتة، و المشاهد و المقامات المتعالية القدسية لا تقاس مع غيرها من الشؤون و المقامات التي لا بدّ للنبي و الولي التلبّس بها، و لا يجوز في الحكمة ترفّعهما عنها، بل هما مأموران بهما، متقرّبان بهما إلى اللّه تعالى.
و أمّا المشهد الذي هو مشهد ظهور محبّة اللّه و الانقطاع إليه، و مشهد التشرّف بتكليم اللّه تعالى يقتضي ترك الاشتغال بغيره، و فناء كلّ حبّ و حبيب فيه، و لذا أسرع موسى بعد ذلك إلى الذهاب إلى فرعون امتثالا لأمره و ترك أهله على حالهم، و هذا شأن ترفع فيه النفس الإنسانية إلى أعلى المراتب الروحانية و القدسية الملكوتية.