منتخب الاثر فی الامام الثاني عشر علیهالسلام - الصافي، الشيخ لطف الله - الصفحة ٢٨٨ - إحداهما ما ليس فيه ما يخالف ضرورة العقل و النقل
أو نحو ذلك مجازفة جدّا، لا تصدر إلاّ من البسطاء و سواذج الناس الّذين لا تبيّن لهم في الأخبار، و لا تحقيق لهم في مضامينها، و لا معرفة لهم بحالات الصحابة و الرواة، و إلاّ فكيف يقتنع من كان من أهل التفكير و التعقّل و التحقيق جواز وقوع امور لا يجوّزها العقل، و تنافي ما استقرّت عليه حكمة النبوّات و رسالات السماء، و امتحان اللّه تعالى لعباده جيلا بعد جيل.
و ما تكلّفوا في الجواب عن ذلك-بأنّه إذا كان فيه ما يكذّب دعواه، و أنّه مبطل غير محقّ، و أنّه عاجز لا يقدر على رفع النقص عن نفسه، و محو كتابة الكفر عن جبهته، فإظهار الخارق على يديه لامتحان العباد جائز لا يخالف حكمة اللّه تعالى و لطفه-غير سديد؛ لأنّه لا وجه لهذا الامتحان الشديد الّذي لا مثيل له في ما امتحن اللّه به عباده، و هل هذا إلاّ إعانة المضلّ على إضلاله؟
و إن كنت في ريب من ذلك فتدبّر في قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِي حَاجَّ إِبْرََاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتََاهُ اَللََّهُ اَلْمُلْكَ إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ رَبِّيَ اَلَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ قََالَ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ قََالَ إِبْرََاهِيمُ فَإِنَّ اَللََّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ اَلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهََا مِنَ اَلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ اَلَّذِي كَفَرَ [١] ، فترى في هذه القصّة أنّ إبراهيم و هو رسول اللّه لهداية عباده لم يحتجّ على من حاجّه، بأنّك ذو أجزاء و أعضاء، و جسمك يكذّب دعوى ألوهيّتك، و أنّك لم تحي الموتى بإخراجك شخصين من السجن، و أمرك بقتل أحدهما و إطلاق الآخر، بل غيّر احتجاجه فقال: فَإِنَّ اَللََّهَ... و هذه سنّة رسالات السماء في هداية الناس، فلمّا رأى إبراهيم أنّ الّذي حاجّه عارضه احتجاجه الأوّل
[١] البقرة: ٢٥٨.