فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٢٨ - العلاقة بين العناوين الأخلاقية والبحوث الفقهية الشيخ معين دقيق
كما أنّك خبير بأنّ كثيراً من الفقهاء قد بحثوا في المعاملات عن أحكام بعض المواضيع الأخلاقية ، كالغيبة والكذب والنميمة ونحوها .
والمتحصّل من جميع ما تقدّم : أنّ هذا الفصل بين مباحث الإطارين لم ينشأ من كون أخبارنا قد ميزت بينهما ، وإنّما الذي يقرب إلى الذهن أنّ التصنيف في الكلام والأخلاق كان أسبق من التصنيف في الفقه الاستدلالي ، وكان التصنيف فيهما غالباً ما يتبع المنهجية العقلية على طريقة حكماء اليونان ، حيث إنّ الفلسفة عندهم كانت اسماً عاماً لجميع العلوم الحقيقية ، وكانوا يقسّمونها إلى قسمين رئيسيين : هما العلوم النظرية ، والعلوم العملية ، وكانت العلوم النظرية تشمل الطبيعيات والرياضيات والإلهيات ، والطبيعيات تشمل بدورها علم الفلك والمعادن والنبات والحيوان ، وتتشعّب الرياضيات إلى الحساب والهندسة والهيئة والموسيقى ، وتنقسم الإلهيات إلى قسمين : ما بعد الطبيعة ، أو البحوث العامة للوجود ، ومعرفة الله . والعلوم العملية تتشعّب إلى ثلاثة فروع هي : الأخلاق ، وتدبير المنازل ، وسياسة المدن(٢٧).
وفي الجانب الأخلاقي إن ذكرت الروايات والنصوص الشرعية فإنما كانت تذكر بهدف الاستشهاد دون الاستدلال ، وعندما بدأ التصنيف الفقهي بعد ذلك ، رأى أصحابه أن المباحث الأخلاقية قد استوفيت بالبحث من قبل من صنف في الأخلاق ، ولكنهم قد خفي عليهم أنهم إنما استوفوها بمنهجية عقلية أو صوفية ، لا بمنهجية فقهية مستقاة من النصوص والأخبار .
وأكبر شاهد على التفاوت بين المنهجين أنّ علماء الأخلاق بحثوا الغيبة مثلاً في ضمن بحثهم عن رذائل وفضائل القوة الغضبية والشهوية ، ثم ذكروا أسبابها وبواعثها وكيفية علاجها ، من دون أن يتعرّضوا لحكمها الشرعي . بينما نجد أنّ أول شيء بحث عنه علماء الشريعة هو حكمها الشرعي مستدلّين عليه بالأدلّة الأربعة ، ثم بحثوا عن بعض فروعها ومستثنياتها .
(٢٧) راجع شرح أصول الكافي للمازندراني ١ : ٢٧٩ ، المطبوعة مع تعاليق المحقق أبي الحسن الشعراني . المنهج الجديد في تعليم الفلسفة لليزدي ١ : ١٥ ، ترجمة الخاقاني ، ط ـ مؤسسة النشر الإسلامي ١٤٠٧ هـ .