الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ١٦٧ - الثالث مدعي الفقر يصدق و لا يكلف بالبينة و اليمين
ذهاب ماله بعد أن كان غنيا، و قد أنهى شيخنا الشهيد الثاني جملة منها تزيد على عشرين موضعا. ثم قال و ضبطها بعضهم بأن كل ما كان بين العبد و بين اللّٰه و لا يعلم إلا منه و لا ضرر فيه على الغير أو ما تعلق به الحد أو التعزير. انتهى.
و لا يخفى أن هذه الوجوه التي ذكرناها و إن أمكن المناقشة في بعضها إلا أنه بالنظر إلى مجموعها و لا سيما الأول و الأخير منها فإنه لا يبقى للتوقف فيها مجال.
و أما ما توهمه في المدارك في مقابلة ذلك- من أن الشرط اتصاف المدفوع إليه بأحد الأوصاف الثمانية فلا بد من تحقق الشرط كما في نظائره- فجوابه أن الظاهر أن الفقر المشترط في الآية ليس عبارة عن الفقر بحسب الواقع و نفس الأمر، فإن الأحكام الشرعية لم تبن على الواقع و نفس الأمر لا في هذا الموضع و لا في غيره للزوم الحرج و تكليف ما لا يطاق إذ ذلك غير ممكن إلا له عز شأنه و إنما جرى التكليف على الظاهر، و حينئذ فالمراد بالفقر في الآية ما يظهر من حال الفقير و يكفي فيه مجرد إخباره و دعواه استنادا إلى ما ذكرنا من الوجوه.
و يؤكد ذلك ما صرحوا به من أنه لو دفع له الزكاة بناء على ظاهر الفقر ثم ظهر يسره و أنه ليس بمستحق للزكاة فإنه لا يجزئ عنه استنادا إلى
ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسين بن عثمان عن من ذكره عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) [١] «في رجل يعطي زكاة ماله رجلا و هو يرى أنه معسر فوجده موسرا؟ قال لا يجزئ عنه».
و من ما يؤيد البناء على الظاهر أيضا و الاكتفاء بدعوى الفقر و الحاجة ما استفاض في الأخبار من استحباب إعطاء من مد يده للسؤال و عدم رده كما في
صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) [٢] قال: «أعط السائل و لو كان على ظهر فرس».
و من الظاهر أن هذا الاستحباب إنما ترتب على مجرد مد يده للسؤال حتى و لو كان ظاهر حاله يخالف ذلك من كونه على ظهر فرس و متجملا، و هو مؤذن بتصديقه
[١] الوسائل الباب ٢ من المستحقين للزكاة.
[٢] الوسائل الباب ٢٢ من أبواب الصدقة.