دروس في مسائل علم الأصول - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٣٠٩ - إبطال مسلك التفويض
الكون من الممكنات تحتاج في بقائها، كحدوثها إلى الموجب.
و ينبغى أن يبتنى مسلك التفويض على أمر آخر، و هو أنّ الممكن و إن كان محتاجا في بقائه إلى العلّة، إلّا أنّ حاجة الكائنات و منها الإنسان إلى ذات الباري (عزّ و جلّ) من قبيل حاجة المنفعل و المصنوع إلى الفاعل و الصانع، فتكوين الإنسان و سائر الكائنات و إن حصل بإرادة اللّه (عزّ و جلّ) و مشيّته التي بها تكوّنت الأشياء و ظهرت من ظلمات الماهيات إلى نور الوجود إلّا أنّ بقائها مستند إلى موجبات البقاء فيها من الخصوصيات و الاستعدادات المكنونة في بعض الأشياء و استمداد بعضها من البعض الآخر نظير البناء، فإنّه و إن احتاج في حدوثه إلى البنّاء، و لكن بقائه مستند إلى القوة و الاستعداد في الأجزاء المستعملة في البناء.
و اللّه (سبحانه) خلق الأشياء و كوّنها بإرادته و مشيّته، بما فيها من الخصوصيّات و الاستعدادات، و لكن تلك الخصوصيّات و الاستعدادات الحادثة بعد حدوث المثل أو قبله تنتهي و تفنى، و إذا انتهى بعض ما في الكون الظاهر لنا من الخصوصيّات و الاستعدادات يظهر أنّ كلّ شيء منه فان و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام، و على ذلك فالإنسان المخلوق في الكون و الباقي منه الموجود بتوليد المثل يكون كلّ ما يفعله بإرادته و اختياره من نفسه، و لا يستند شيء منها إلى الخالق (سبحانه) لعدم استناده في البقاء إليه.
و لكن لا يخفى سخافة هذا الوجه أيضا، فإنّ الكائنات في العالم لا تقاس بالبناء الحاصل من فعل البنّاء، فإنّ خالق الكائنات حيّ قيّوم له ملك السموات و الأرض، إذا أراد شيئا يكون، و إذا أراد عدمه فلا يكون، بلا فرق في ذلك بين الأشياء الحاصلة بالعلل المادية أو من أفعال الإنسان أو غيره.